إسلاميات - اهل البيت

سيرة الامام الصادق (ع) وأخلاقه

مقتبس من كتاب: الامام الصادق (ع) للعلامة الشيخ محمّد الحسين المظفّر

تدلّنا سيرته وتعلمنا عن سريرته، أنه من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، ومن العترة التي تركها النبي في امّته لتكون بيانا عن كتابه الصامت، وليكونا معا العروة الوثقى التي لا انفصام لها والتي ينجو المستمسك بها من مهاوي الضلال. فكانت سيرته القويمة...

تمهيد:

إن سيرة المرء تفصح عن سريرته، وسريرته مطويّة في سيرته.

قد يحاول غواة التدليس والرياء بحسن السمت والهدي إخفاء ما انطوت عليه ضمائرهم وأجنته سرائرهم من الخديعة والاغواء، بيد أنه ما أسرع ما تفضح الأعمال تلك الطوايا، والأقوال هاتيك النوايا، فإن ما في القلب تظهره فلتات اللسان وحركات الأعمال.

ثوب الرّياء يشفّ عمّا تحته

فاذا التحفت به فإنّك عار

وقد يروم رجال من ذوي الأخلاق الفاضلة وأرباب العرفان ألاّ تظهر منهم تلك السرائر النقيّة والضمائر الزكيّة، حذر الافتتان أو الشهرة، فلا يلبث دون أن تضوع تلك النفحات الذكيّة، ويضيء سنا تلك النفس القدسيّة.

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وهذه ألسنة الخلق فإنها في الكشف عن الحقائق أقلام الحق.

نعم ربما تنبري فئة للدفاع عن تلك الشرذمة الخادعة عصبيّة أو اغترارا بظاهر تلك الشؤون الصالحة، أو تندفع زمرة للمسّ بكرامة هؤلاء الأبدال أتباعا لقوم فتكت فيهم أدواء الحسد والأحقاد، أو الجهل والعناد، ولكن الحقيقة لا يجهلها البصير، وأن الشمس لا يسترها الغربال.

وها هو ذا الصادق (عليه السلام) تدلّنا سيرته وتعلمنا عن سريرته، أنه من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، ومن العترة التي تركها النبي (صلى الله عليه وآله) في امّته لتكون بيانا عن كتابه الصامت، وليكونا معا العروة الوثقى التي لا انفصام لها والتي ينجو المستمسك بها من مهاوي الضلال.

فكانت سيرته القويمة تريد بالناس إخراجهم من الغواية الى الهداية، ومن العمى الى البصر، ومن الجهل الى العلم، وتلك السريرة مطويّة في هذه السيرة.

ونحن نورد من سيرته ما يعرب عن تلك الأخلاق العظيمة والنفسيّة القدسيّة العلويّة، التي لا ترى غير الجهاد في الإرشاد والإصلاح همّا ولا همّة.

آدابه في العشرة:

إن الأخلاق الحميدة قد تكون غرائز نفسيّة، وطبائع فطريّة، أمثال السماحة والشجاعة والبشاشة والبلاغة، وقد تكون بالتعلّم والاكتساب مثل العبادة والزهادة والمعارف والعلوم والآداب.

وإن من يسبر سيرة هاشم وبنيه يجدهم قد جمعوا الفضائل بقسميها، والأخلاق بشطريها، حتّى اذا نبغ الرسول (صلى الله عليه وآله) من بينهم وأخذ من كلّ فضيلة بأسماها كما يقتضيه منصبه الإلهي كان بنوه أحقّ من درج على سنّته واتّبع جميل أثره لا سيّما والفضيلة شعار قبيلتهم قبل هذا التراث من رسول الأخلاق والفضائل.

ومن يستقص سيرة أبي عبد الله (عليه السلام) يعرف أنه الشخصيّة المثاليّة لأبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله) وما المرء إلاّ بعمله، ولئن سكت عن بيان حاله فأعماله ترجمان ذاته وصفاته.

ولقد مرّ عليك ما قاله العلماء في شأنه، وكفى عن تعريف شخصيّته ما قرأته من حياته العلميّة، وسوف تقرأ المختار من كلامه فتتمثل له منزلته في الأخلاق والفضيلة من تلك النوادر الغالية، وكان الجدير أن يكون مثالا لكلامه قبل أن يحمل عليه رجاله والآخذين عنه.

فلا نستكبر منه إذن أن يكون بين أصحابه كأحدهم لا تظهر عليه آثار العزّة وحشمة الإمامة، فقد خرج يوما وهو يريد أن يعزّي ذا قرابة بفقد مولود له، ومعه بعض أصحابه فانقطع شسع نعله، فتناول نعله من رجله، ثمّ مشى حافيا، فنظر إليه ابن أبي يعفور فخلع نعل نفسه من رجله وخله الشسع منها وناولها أبا عبد الله (عليه السلام)، فأعرض عنه كهيئة المغضب ثمّ أبى أن يقبله، وقال: لا، صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها، فمشى حافيا حتّى دخل على الرجل الذي أتاه ليعزّيه.

وكان اذا بسط المائدة حثّهم على الأكل ورغّبهم فيه، ولربّما يأتيهم بالشيء بعد الشبع، فيعتذرون فيقول: ما صنعتم شيئا إن أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا، ثمّ يروي لهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) أمثال ذلك لتطيب نفوسهم بالأكل وترغب بالزيادة، ويروي لهم هذا القول، أعني « أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا » عن النبي (صلى الله عليه وآله) مع سلمان والمقداد وأبي ذر.

وقد يجيء بالقصعة من الارز بعد انتهائهم من الأكل، فاذا امتنع أحدهم من الأكل قال له: يعتبر حبّ الرجل لأخيه بانبساطه في طعامه، ثمّ يجوز له حوزا ويحمله على أكله، واذا رآهم يقصرون في الأكل خجلا قال لهم: تستبين مودّة الرجل لأخيه في أكله (1).

وكان اذا أطعم أصحابه يأتيهم بأجود الطعام، قال بعضهم: كان أبو عبد الله (عليه السلام) ربّما أطعمنا الفراني والأخبصة، ثمّ أطعمنا الخبز والزيت فقيل له: لو دبّرت أمرك حتّى يعتدل يوماك، فقال: إنما نتدبّر بأمر الله اذا وسّع وسّعنا واذا قتّر قتّرنا.

وقال أبو حمزة: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة فأتينا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا، وأتينا بتمر ننظر فيه وجوهنا من صفائه وحسنه (2).

وكان مع ذلك الشأن والسنّ يمنع ضيفه من القيام لبعض الحوائج فإن لم يجد أحدا قام هو بنفسه، ويقول: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أن يستخدم الضيف (3).

ولرغبته في بقاء الضيف عنده كان لا يساعده على الرحيل عنه، كما صنع ذلك مع قوم من جهينة، فإنه أمر غلمانه ألاّ يعينوهم على الرحلة، فقالوا له: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقد أضفت فأحسنت الضيافة، وأعطيت فأجزلت العطيّة، ثمّ أمرت غلمانك ألاّ يعينونا على الرحلة، فقال (عليه السلام): إنّا أهل بيت لا نعين أضيافنا على الرحلة من عندنا (4).

وكان من حبّه للبرّ والإطعام والتزاور أن يأمر بها أصحابه تصريحا وتلويحا، ولربّما كان التلويح أجمل في الترغيب بالعمل، حيث يخبر عن حبّه لتلك الخصال الكريمة، فيقول: لئن آخذ خمسة دراهم وأدخل الى سوقكم هذه فأبتاع بها الطعام وأجمع نفرا من المسلمين أحبّ إليّ من أن أعتق نسمة (5).

ويقول: لئن أطعم مؤمنا محتاجا أحبّ إليّ من أن أزوره، ولئن أزوره أحبّ إليّ من أن أعتق عشر رقاب (6). وما أكثر ما جاء عنه من أمثال ما أوردناه.

وإخال أن السرّ في تقديم بعض هذه الامور على بعض هو رعاية الالفة والتوادد فما كان أدخل في الاجتماع كان أفضل.

وانظر كيف يقرّب لك حسن الصنيعة والافضال ليحملك على هذا العمل الجميل فيقول: ما من شيء أسرّ إليّ من يد أتبعتها الاخرى، لأن من الأواخر يقطع شكر الأوائل (7).

أقول: إن الوجدان شاهد صدق على ذلك، لأن اليد الواحدة اذا اتبعها الانسان بقطيعة فوّتت القطيعة شكر تلك الصنيعة، فلا يدوم الشكر إلاّ إذا تتابعت الأيدي.

وإن شئت أن تقف على عمله الذي يمثّل لك العطف والبرّ فانظر الى ما كان يعمله في (عين زياد) وهي ضيعة كانت له حول المدينة فيها نخل كثير، فإن بعض أصحابه طلب منه أن يذكر لهم ذلك.

قال (عليه السلام): كنت آمر اذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا، وكنت آمر في كلّ يوم أن يوضع عشر ثبنات (8) يقعد على كلّ ثبنة عشرة، كلّما أكل عشرة جاء عشرة اخرى، يلقي لكلّ منهم مد من رطب، وكنت آمر لجيران الضيعة كلّهم الشيخ والعجوز والصبي والمريض والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء فيأكل منها، لكلّ إنسان مد، فاذا كان الجداد (9) وفيت القوام والوكلاء والرجال أجرتهم، وأحمل الباقي الى المدينة، ففرّقت في أهل البيوتات والمستحقّين الراحلتين والثلاث والأقلّ والأكثر على قدر استحقاقهم، وحصل لي بعد ذلك ألف دينار، وكان غلّتها أربعة آلاف دينار (10).

وهذا الإنفاق وإن بلغ ثلاثة آلاف دينار لا يستكثر على سماحة أهل البيت، وإنما الجميل فيه اهتمامه في صلة المعوزين ومواصلة البرّ لهم.

وإن الأفضل في الأخلاق ما يحكيه عن نفسه بقوله: إنه ليعرض لي صاحب الحاجة فأبادر الى قضائها مخافة أن يستغني عنها صاحبها (11).

هذه بعض أخلاقه العالية التي تمثّل لك البرّ والعاطفة وتجسّم لك الحنان والرأفة، فكأنما الناس كلّهم عياله وإخوانه وآله، ولا بدع فذلك شأن الإمام في الامّة.

سخاؤه:

إن السخاء وإن كان خلّة كريمة في نفسه، وفائدة لمن يجىء بالعطاء، إلاّ أن فيه عدا هذا فوائد اخرى اجتماعيّة ملموسة، إن الكريم يحمل الناس على حبّ الكريم، والحبّ داعية الائتلاف، بل ربما كان الحبّ سلّما لرئاسة ذي الجود والإصغاء لقوله، وكم تكون من جدوى زعامة المرء واستماع كلامه اذا كان من أهل الصلاح والخير.

وهو القائل للمعلّى بن خنيس: يا معلّى تحبّب الى إخوانك بصلتهم، فان الله تعالى جعل العطاء محبّة والمنع مبغضة، فأنتم والله إن تسألوني واعطيكم أحبّ إليّ من ألاّ تسألوني فلا اعطيكم فتبغضوني (12).

فكان الصادق (عليه السلام) يعطي العطاء الجزيل، العطاء الذي لا يخاف صاحبه الفقر، وقد سبق في الأخلاق بعض هباته، كما سيأتي الوفر من صلاته.

وقد أعطى مرّة فقيرا أربعمائة درهم فأخذها وذهب شاكرا، فقال لعبده: ارجعه، فقال: يا سيّدي سئلت فأعطيت فما ذا بعد العطاء؟ فقال له: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير الصدقة ما أبقت غنى وإنّا لم نغنك، فخذ هذا الخاتم فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم فإذا احتجت فبعه بهذه القيمة (13).

أحسب أن الصادق (عليه السلام) إنّما زاده للشكر، والشكر داعية المزيد يقول تعالى: « ولئن شكرتم لأزيدنكم » ولقد زاد سائلا من ثلاث حبّات عنب الى كفّين الى نحو من عشرين درهما الى قميص، وما ذاك إلاّ لأن السائل قنع في الاولى وحمد الله تعالى وما كفّ عن عطائه إلاّ بعد أن كفّ عن الحمد ودعا للصادق (عليه السلام) (14).

ودخل عليه أشجع السلمي (15) فوجده عليلا فجلس وسأل عن علّة مزاجه، فقال الصادق له: تعدّ عن العلّة واذكر ما جئت له، فقال:

ألبسك الله منه عافية

في نومك المعتري وفي أرقك

يخرج من جسمك السقام كما

أخرج ذلّ السؤال من عنقك

فقال: يا غلام أيّ شيء معك، قال: أربعمائة، قال: اعطها لأشجع (16) ودخل عليه المفضّل بن قيس بن رمّانة، وكان من رواته الثقات وأصحابه الأخيار فشكا إليه بعض حاله وسأله الدعاء، فقال: يا جارية هاتي الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر، فجاءت بكيس، فقال: هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به، فقال له: لا والله جعلت فداك ما أردت هذا ولكن أردت الدعاء، فقال له: ولا أدع الدعاء، ولكن لا تخبر الناس بكلّ ما أنت فيه فتهون عليهم (17).

وهذه بعض نفحاته الجزيلة، وما ذكرناها إلاّ مثالا لذلك الخلق السامي وتدليلا على تخلقه بهذه الخلّة الحميدة، ولا نريد أن نذكر له كلّ نفحة طيّبة وبما مضى ويأتي كفاية.

هباته السرّية:

إن الصلة وإن كانت من الأب أو ممّن هو أرفق منه كالإمام قد تحدث في القابل انكسارا وذلّة، لأنها تنبّئ عن تفضّل المعطي وحاجة الآخذ، والحاجة نقص، والشعور به يحدث الانكسار في النفس.

وقد تحدث في المعطي هزّة الإفضال، وتبجّح المتفضّل، هذا سوى ما قد يكون للعطيّة في بعض النفوس من حبّ الذكر والفخر والسمعة أو الرياء أو ما سوى ذلك ممّا تكرم عنه النفوس النزيهة النقيّة.

فلهذا أو لغيره كان دأب أرباب الأخلاق الفاضلة التكتّم في الصلة وشأن أهل البيت خاصّة التستّر في صلاتهم، فلا تكاد تمرّ عليك سيرة إمام منهم إلاّ وتجد فيها ترقّبه للغلس ليتّخذه سترا في الهبات والصّلات.

فلا أرى ذلك الإصرار على الأسرار إلاّ لأنّهم لا يريدون أن يشاهدوا على الآخذ ذلّة الحاجة والخضوع للمتفضّل المحسن، وإنهم أزكى نفسا وأعلى شأنا من أن يخافوا الفتنة في الإعلان.

ومن ثمّ تجد الصادق اذا جاء الغلس أخذ جرابا فيه الخبز واللحم والدراهم فيحمله على عاتق، ثمّ يذهب الى أهل الحاجة من أهل المدينة فيقسّمه فيهم وهم لا يعرفونه، وما علموا ذلك حتّى مضى لربّه فافتقدوا تلك الصلات، فعلموا أنها كانت من أبي عبد الله (عليه السلام) (18).

وهذه السيرة درج عليها آباؤه من قبل، ونهج عليها بنوه من بعد.

وما كانت سيرته تلك مع أهل المدينة خاصّة بل يعمل ذلك حتّى مع الهاشميّين، فإنه كان يتعاهدهم بالصلة ويتخفّى في نسبتها إليه، وكان يرسل إليهم بصرر الدنانير ويقول للرسول: قل لهم إنها بعث بها من العراق، ثمّ يسأل الرسول بعد عودته عمّا قالوه فيقول: إنهم يقولون: أمّا أنت فجزاك الله خيرا بصلتك قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمّا جعفر فحكم الله بيننا وبينه فيخرّ أبو عبد الله (عليه السلام) ساجدا ويقول اللهمّ أذل رقبتي لولد أبي (19).

وأعطى يوما صرّة لأبي جعفر الخثعمي (20) وأمره بأن يدفعها الى رجل من بني هاشم وأمره بكتمان الأمر، فلمّا أوصله بالصرّة قال: جزاه الله خيرا ما يزال كلّ حين يبعث بها فنعيش بها الى قابل، ولكنّي لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله (21).

وكان لا يترك صلاته حتّى لقاطعيه منهم، وحتّى ساعة الاحتضار، فإنه حين دنا أجله وكان في سكرات الموت أمر بإجراء العطاء، وأمر للحسن بن عليّ الأفطس (22) بسبعين دينارا فقيل له: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة ليقتلك؟ فقال (عليه السلام): ويحكم أما تقرءون: « والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب » (23). إن الله خلق الجنّة فطيّبها وطيّب ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم (24).

هذه نفحات من هباته السرّيّة، وصلاته الخفيّة، التي تمثّل لك الرحمة والرأفة.

حلمه:

وكان التجاوز عليه يأتيه من القريب والبعيد، فلا يقابله إلاّ بالصفح بل ربما قابله بالبرّ والإحسان.

وقد مرّ عليك شطر منه في العنوان الماضي وكثير في حياته السياسيّة في محنه وسيأتي في أبواب كثيرة، ونحن نورد لك الآن بعض ما ينبيك عن هذا الخلق الكريم.

فكان اذا بلغه نيل منه ووقيعة وشتم يقوم فيتهيّأ للصلاة فيصلّي ثمّ يدعو طويلا ملحّا في الدعاء سائلا ربّه ألاّ تؤاخذ ذلك الجاني بظلمه ولا يقايسه على ما جنى، لأن الحقّ حقّه، وقد وهبه للجاني غافرا له ظلمه (25).

بل يزيد على ذلك في ذوي رحمه فيقول: إني لا حبّ أن يعلم الله أني أذللت رقبتي في رحمي، وأني لأبادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني (26).

إن الحوادث محكّ، وبها تعرف مقادير الرجال، وبها تبلى السرائر ومن ثمّ تعرف الفرق بين أبي عبد الله وبين ذوي قرابته، فكان يجفوه أحدهم، بل ينال منه الآخر شتما ونبزا، بل يحمل عليه الثالث بالشفرة عامدا على قتله، وليس هناك ما يدعوهم الى تلك الجفوة والقسوة والقطيعة فيعاملهم على عكس ما فعلوه معه، فتراه واصلا بدل القطيعة، وبارّا عوض الجفاء، وعاطفا بدل القسوة.

لقد أحزنته تلك النكبات التي أوقعها المنصور ببني الحسن حتّى لقد بكى وظهر عليه الجزع والاستياء بل حمّ أياما حين حمل المنصور شيوخ بني الحسن ورجالهم من المدينة الى الكوفة، وهم قد لاقوه بسيّئ القول بالابواء يوم أرادوا البيعة لمحمّد، وما زال محمّد وأبوه عبد الله يلاقيانه بالقول السيّئ زعما منهما أنه كان حجر عثرة في سبيل البيعة لمحمّد، ولمّا أن ظهر محمّد بالمدينة أرسل على الصادق يريد منه البيعة، وحين امتنع عليه قابله بسوء القول والفعل، وكم تجرّع غصصا من بني العبّاس ورجالهم، ولو لم يكن قادرا على شيء ينتقم به منهم إلاّ الدعاء لكفى به سلاحا ماضيا.

وما كان الحلم شعاره مع الأقربين من أهله فحسب، بل كان مع مواليه وسائر الناس، فقد بعث غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج على أثره فوجده نائما فجلس عند رأسه يروّح له حتّى انتبه، فلمّا انتبه لم يكن منه معه إلاّ أن قال: يا فلان ما ذلك لك تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار (27).

وبعث مرّة غلاما له أعجميّا في حاجة ثمّ جاء الغلام فاستفهم الصادق (عليه السلام) الجواب والغلام يعني عن إفهامه، حتّى تردّد ذلك منه مرارا والغلام لا ينطق لسانه ولا يستطيع إفهامه، فبدلا من أن يغضب عليه أحدّ النظر إليه وقال: لئن كنت عيي اللسان فما أنت بعيي القلب، ثمّ قال (عليه السلام): إن الحياء والعفاف والعي ـ عيّ اللسان لا عيّ القلب ـ من الإيمان، والفحش والبذاءة والسلاطة (28) من النفاق (29).

ونهى أهل بيته عن الصعود فوق البيت فدخل يوما فإذا جارية من جواريه ممّن تربّي بعض ولده قد صعدت في سلّم والصبيّ معها، فلما بصرت به ارتعدت وتحيّرت وسقط الصبيّ الى الأرض فمات، فخرج الصادق وهو متغيّر اللون فسئل عن ذلك فقال: ما تغيّر لوني لموت الصبي وإنما تغيّر لوني لما أدخلت على الجارية من الرعب، وكان قد قال لها: أنت حرّة لوجه الله لا بأس عليك، مرّتين (30).

وما كان هذا رأيه مع أهله وغلمانه فحسب بل كان ذلك شأنه مع الناس كافّة، فإنّه نام رجل من الحاجّ في المدينة فتوهّم أن هميانه سرق فخرج فرأى الصادق مصلّيا ولم يعرفه فتعلّق به وقال: أنت أخذت همياني، قال: ما كان فيه؟ قال: ألف دينار، فحمله الى داره ووزن له ألف دينار، وعاد الرجل الى منزله ووجد هميانه، فعاد الى الصادق معتذرا بالمال، فأبى قبوله، وقال: شيء خرج من يدي لا يعود إليّ، فسأل الرجل عنه، فقيل: هذا جعفر الصادق، قال: لا جرم هذا فعال مثله (31).

بل دأب على هذه الخلّة حتى مع ألدّ أعدائه، فإنّه لمّا سرّحه المنصور من الحيرة خرج ساعة أذن له وانتهى الى موضع السالحين في أوّل الليل فقال له: لا أدعك أن تجوز فألحّ عليه وطلب إليه فأبى إباء شديدا وكان معه من أصحابه مرازم (32) ومن مواليه مصادف (34) فقال له مصادف: جعلت فداك إنما هذا كلب قد آذاك، وأخاف أن يردك، وما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر، وأنا ومرازم أتأذن لنا أن نضرب عنقه ثمّ نطرحه في النهر، فقال: كيف يا مصادف، فلم يزل يطلب إليه حتّى ذهب من الليل اكثره، فأذن له فمضى، فقال: يا مرازم هذا خير أم الذي قلتما؟ قلت: هذا جعلت فداك، فقال: يا مرازم إن الرجل يخرج من الذلّ الصغير ذلك في الذلّ الكبير (35).

أقول: لعلّه عنى من الذلّ الكبير القتل، والذلّ الصغير الطلب، والخطاب خطاب إنكار.

هذا بعض ما كان منه ممّا دلّك على ذلك الحلم العظيم، الذي كان يلاقي به تلك الاعتداءات والمخالفات لقوله ولأمره.

عطفه:

إن الإمام لا يعرف فرقا في البرّ والعطف بين الناس، فالناس قريبهم وبعيدهم لديه شرع سواء، وما كلّ من ينيلهم بذلك البرّ والصلة في جوف الليل، ويسعفهم من التمر من عين زياد، ممّن يرى إمامته وولاءه، فالمسلمون كلّهم ـ لو استطاع ـ مغرس برّه، ومنال عطفه.

فمن بوادر عطفه ما كان منه مع مصادف مولاه، فإنه دعاه فأعطاه ألف دينار، وقال له: تجهّز حتّى تخرج الى مصر فإن عيالي قد كثروا فتجهّز بمتاع وخرج مع التجّار الى مصر، فلمّا دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر، فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة، وكان متاع العامّة، فأخبروهم أن ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا وتعاقدوا على ألاّ ينقصوا من ربح دينار دينارا، فلمّا قبضوا أموالهم انصرفوا الى المدينة، فدخل مصادف على أبي عبد الله (عليه السلام) ومعه كيسان في كلّ واحد ألف دينار، فقال: جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح، فقال: إن هذا الربح كثير، ولكن ما صنعتم في المتاع، فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا، فقال: سبحان الله تحلفون على قوم مسلمين ألاّ تبيعوهم إلاّ بربح الدينار دينارا، ثمّ أخذ أحد الكيسين، فقال: هذا رأس مالي، ولا حاجة لنا في الربح، ثمّ قال: يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال (36).

أقول: إن هذا الربح الذي أخذه مصادف ما كان حراما حسب القواعد الشرعيّة، ولكن الصادق (عليه السلام) لا يريد من الناس إلاّ الإرفاق من بعضهم ببعض، شأن الاخوة المتحابّين لا سيّما ساعة العسرة، وكان ذلك التحالف والتعاقد على خلاف ما تدعو إليه المروّة، وذلك الربح على غير ما يتطلّبه الإرفاق، ومن ثمّ استنكر الصادق هذا العمل حتّى عدّ الربح بهذا الوجه غير حلال فسمّاه حراما على نحو المجاز، وكان ذلك تعليما منه لمصادف ومن سمع منه من أوليائه.

وتشاجر أبو حنيفة سائق الحاجّ (37) مع ختنه (38) فيه ميراث فمرّ عليهما المفضّل بن عمر، وكان وكيلا للصادق (عليه السلام) في الكوفة، وبعد ساعة من وقوفه عليهما أمرهما بالمجيء معه الى الدار وأصلح أمرهما بأربعمائة درهم ودفعها من عنده، وبعد استيثاق كلّ واحد من صاحبه قال لهما: أما أنها ليست من مالي، ولكن أبو عبد الله (عليه السلام) أمرني اذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وافتديهم من ماله، فهذا مال أبي عبد الله (عليه السلام) (39).

أجل ما أفضل إصلاح ذات البين، ولكن الأفضل فيه أن يفتدي المصلح من ماله، وهذه هي العاطفة حقا التي تريك الرأفة والرحمة ملموستين.

وما كان حاله مع الغلامين والجارية فيما سبق في الحلم حلما فحسب، بل حلم وعطف، فإنه لم يقنع بأن يصفح عمّا كان منهم دون أن يعطف على الأول فيروّح له، وهو إمام الامّة، ويمدح الثاني بأنه غير عيي القلب، ويهب للجارية جرمها، وما اكبره، بل يزيد في الإحسان لها أن يحرّرها من رقّ العبوديّة.

وما أوفر عطفه فكم دعا لسجين بإطلاق سراحه كما في دعائه لسدير وعبد الرحمن وهما من أصحابه وكانا في السجن، وعلّم أمّ داود الحسني، وكان في سجن المنصور مع بني الحسن، دعاء وعملا وصوما في الأيام البيض من رجب، فعملت ما قال فاطلق سراحه وما زال العمل يعرف الى اليوم بعمل أمّ داود، الى كثير سواهم.

وكم دعا لمريض بالعافية فعوفي، كما في دعائه لحبابة الوالبيّة وكانت من النساء الفاضلات، وليونس بن عمّار الصيرفي وهو من رجال الصادق الثقات، ولرجل عرض له وقد سئل له الدعاء، ولا مرأة بها وضح في عضدها، ولرجل جاءه في البيت متعوّذا وبه بلاء شديد، الى غير هؤلاء.

وكم دعا لناس بسعة الحال فأصابوا الدعوة، كما في طرخان النخاس وحمّاد بن عيسى وغيرهما، وسنذكر ذلك في استجابة دعائه.

ولا غرابة أن يكون أبو عبد الله (عليه السلام) على تلك العاطفة النبيلة، وما هي إلاّ بعض ما يجب أن يستشعره.

جلده:

إن من يلمس في أبي عبد الله (عليه السلام) تلك العاطفة الرقيقة التي تدر دمعته وتذكي النار في قلبه رحمة، وتختطف الدم من وجهه، يستغرب كيف يكون له الجلد الذي لا توازنه الجبال الشمّ في احتماله.

كان ابنه إسماعيل اكبر أولاده، وهو ممّن جمع الفضيلة والعقل والعبادة فكان الصادق (عليه السلام) يحبّه حبّا شديدا، حتّى حسب بعض الناس أن الامامة فيه بعد أبيه، فلمّا مات وكان الصادق عند مرضه حزينا عليه جمع أصحابه وقدّم لهم المائدة وجعل فيها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان، ودعاهم الى الأكل وحثّهم عليه لا يرون للحزن أثرا عليه، وكانوا يحسبون أنه سيجزع ويبكي ويتأثّر ويتألّم، فسألوه عن ذلك فقال لهم: وما لي لا اكون كما ترون

وقد جاء في خبر أصدق الصادقين: إنّي ميّت وإيّاكم.

ومات ابن له من غصّة اعترته وهو يمشي بين يديه فبكى وقال: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت، ثمّ حمله الى النساء فصرخن حين رأينه، فأقسم عليهنّ ألاّ يصرخن، ثمّ أخرجه الى الدفن وهو يقول: سبحان من يقتل أولادنا ولا نزداد له إلاّ حبّا، ويقول بعد الدفن: إنّا قوم نسأل الله ما نحبّ فيمن نحبّ فيعطينا، فاذا أحبّ ما نكره فيمن نحبّ رضينا (40).

لا أدري من أيّها يعجب المرء أمن جلد أبي عبد الله (عليه السلام) على هذه المفاجأة المشجية، أم من هذا الشكر المتوالي على مثل هذه النوائب المؤلمة، أم من ذلك الحبّ للخالق على كلّ حال، والرضى بما يصنع في كلّ أمر، أم من تلك البلاغة والفصاحة وتدافع الحكم البليغة ومطاوعتها له ساعة الدهشة والذهول؟

أجل لو لا هذه الملكات القدسيّة، والأحوال المتضادّة في شخصيّة أبي عبد الله (عليه السلام) لم تكن الشخصية الوحيدة في خصالها وصفاتها.

وكفى إكبارا لجلده سقوط الولد من يد الجارية وموته، وتغيّر لونه لفزع الجارية وارتهابها، ولم يظهر عليه الحزن والجزع لهذه المفاجأة بموت الصبي على هذه الصور المشجية.

وما زال يشاهد الآلام والنوائب والمكاره طيلة أيامه من الدولتين ولم يعرف التاريخ عنه تطامنا وخضوعا وجزعا وذهولا بل ما زال يظهر عليه الصبر والجلد وتوطين النفس.

هيبته:

قد تكون الهيبة للرجال العظام من تلك الكبرياء التي يرتديها المرء نفسه، أو من الذين حوله من خدم وأهل وقبيلة، أو جند ودولة، وهذه الهيبة لا تختصّ بقوم، فإن كلّ من تلبّس بأحد هذه الشؤون اكتسى هذه الهيبة، وهذه الهيبة جديرة بأن تسمّى الهيبة المصطنعة.

وقد تكون للمرء من دون أن يحاط بجيش وخدم وعشيرة ودولة وإمرة وكبرياء، تلك الهيبة التي لا تكون باللباس المستعار، بل هي التي يفيضها الله تعالى على من يشاء من عباده، تلك الهيبة التي لا يزيلها التواضع وحسن الخلق والانبساط، تلك التي يلبسها العلم والعمل به، من أراد عزّا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان، فليخرج من ذلّ معصية الله الى عزّ طاعته، وإن من خاف الله أخاف منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كلّ شيء، وهذه الهيبة جديرة بأن تسمّى الهيبة الذاتيّة.

إن المنصور كان صاحب تلك الهيبة المصطنعة، ومن أوسع منه ملكا، وأكثر جندا، وأقوى فتكا؟ ولكنه كان اذا نظر الى جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) وهو عازم على قتله هابه وانثنى عن عزمه.

يقول المفضّل بن عمر: إن المنصور قد همّ بقتل أبي عبد الله (عليه السلام) غير مرّة فكان اذا بعث إليه ودعاه ليقتله فاذا نظر إليه هابه ولم يقتله (41) ولا تختلف هذه الهيبة لأبي عبد الله (عليه السلام) باختلاف الناس معه فإن كلّ واحد يشعر من نفسه بتلك الهيبة له، سواء الوليّ والعدوّ، والمؤالف والمخالف، فهذا هشام بن الحكم كان جهميّا قبل أن يقول بالإمامة، ولمّا التقى بالصادق (عليه السلام) في صحراء الحيرة سكت وأطرق هيبة وإجلالا وهو اللّسن المفوّه، فأحسّ أن هذه الهيبة هي الهيبة التي يجلّل الله بها أنبياءه وأوصياءهم. (42).

وهذه الهيبة التي أحسّها هشام يوم كان جهميّا كان يحسّها يوم كان إماميّا وكانت بين هشام وبين عمرو بن عبيد مناظرة في الإمامة، وقد قصد هشام عمروا الى البصرة، فسأله الإمام عمّا كان بينهما ليحكي له ما كان، فقال هشام: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني أجلّك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك (43).

وهذا ابن أبي العوجاء مع إلحاده كان أحيانا يحجم عن مناظرة الصادق (عليه السلام) لتلك الهيبة، فإنه حضر يوما لمناظرة الصادق ولكنه بعد أن جلس سكت، فقال له الصادق: فما يمنعك من الكلام؟ قال: إجلال لك ومهابة، ما ينطق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء، وناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبة قط مثلما تداخلني من هيبتك (44).

على أن الصادق (عليه السلام) كان بين أصحابه وجلسائه كواحد منهم لا يتظاهر بالعظمة وحشمة الإمامة، وينبسط لهم بالكلام، ويجلس معهم على المائدة، ويؤنسهم بالحديث، ويحثّهم على زيادة الأكل، لئلاّ تمنعهم الهيبة من الانبساط على المائدة واكل ما يشتهونه، غير أن تلك الهيبة التي كانت شعاره من الهيبة الذاتيّة التي تمنع العيون من ملاحظته والألسنة من الانطلاق بين يديه ولم يكن محاطا بخدم ولا حجاب.

عبادته:

إن المفهوم من العبادة عند إطلاق هذه الكلمة، هو العبادة البدنيّة من الصوم والصلاة والحجّ وما سواها، ممّا يحتاج الى نيّة القربة، وكان الصادق (عليه السلام) في هذه العبادات زين العبّاد.

وهذا السبط في التذكرة يقول: قال علماء السير: قد اشتغل بالعبادة عن طلب الرئاسة، وابن طلحة في المطالب يقول: ذو علوم جمّة وعبادة موفرة وأوراد متواصلة، ويقول: ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات، وهذا أبو نعيم في الحلية يقول: أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع ولها عن الرئاسة والجموع، ومالك بن أنس يقول: كان جعفر بن محمّد لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائما، وإمّا قائما، وإمّا ذاكرا، وكان من عظماء العبّاد، واكابر الزهّاد، الذين يخشون الله عزّ وجل، ولقد حججت معه سنة فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته، وقال: ما رأت عين ولا سمعت اذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق علما وعبادة وورعا، الى سوى هؤلاء ممّن ذكره بالعبادة، وقد مرّت عليك هذه الكلمات وغيرها من ص 72 الى 80.

ولا بدع اذا كان أبو عبد الله أفضل الناس عبادة وزهادة وورعا، فإن عبادة المرء على قدر علمه بالخالق تعالى « إنما يخشى الله من عباده العلماء » وأنت على يقين بما كان عليه الصادق من العلم والمعرفة.

هذا شأن الصادق (عليه السلام) في العبادة البدنيّة، وأمّا شأنه في العبادة الفضلى التي هي أزكى أثرا، وأذكى نشرا، وهي عبادة العلم ونشره وتعليمه والإرشاد والإصلاح، فلا يخفى على أحد، وقد عرفت من حياته العلميّة ومن

الفصول الماضية من سيرته وأخلاقه قدر جهاده في التعليم والتثقيف وجهوده في البرّ والعطف والتربية الأخلاقيّة، وستعرف في المختار من كلامه عظيم اهتمامه في حمل الناس على جدد الطريق، والعمل بالشريعة الغرّاء، والاتّصاف بفاضل الأخلاق.

شجاعته:

لم تكن في أيام الصادق (عليه السلام) حروب يحتم الدين عليه الولوج في ميادينها ليعرف الناس عنه تلك الملكة النفسيّة، نعم إن هناك ظواهر تدلّ على تلك القوى الراسخة، أمثال قوّة القلب واطمئنان الجأش، ومرّ عليك في مواقفه مع المنصور وولاته من ص 114 ـ 122، وفي جلده ما ينبيك عن تلك القوى الغريزيّة، والجبن إنما يكون من ضعف القلب وضعة النفس.

ومن ثمّ يجب أن يكون المؤمن شجاعا غير هيّاب ولا نكل في سبيل الدين والحق، وكلّما كان أقوى إيمانا كان أبسل وأشجع ولذلك تجد أنصار الحسين (عليه السلام) وأهل بيته أبهروا العالم في موقفهم يوم الطف، وما كانوا أشجع الناس لو لا ذلك الإيمان الثابت واليقين الراسخ والتوطين على معانقة الرماح والسيوف، ولو كان أهل الكوفة على مثل ذلك اليقين والتوطين والإيمان لما استقامت الحرب الى ما بعد الظهر في ذلك اليوم القايض وهم سبعون ألفا والأنصار سبعون نفرا، ولما كان قتلى أهل الكوفة لا يحصون عدّا.

ومن هاهنا يستبين لنا أن الصادق لا بدّ أن يكون أشجع الناس وأربطهم جأشا اذا دارت رحى الحرب، الحرب التي يفرضها الدين وتدعو إليها الشريعة.

زهده:

إن الزهد في الشيء الإعراض عنه، وإنما يكون للزهد شأن يكسب الزاهد فضلا اذا كان المزهود فيه ذا قيمة وثمن كبير، وأمّا اذا كان المزهود فيه بخسا لا شأن له يحتسب، ولا قدر يعرف فلا فضل في الزهد فيه، أترى أن الزهد في الشابّة النضرة الخلوق التي جمعت ضروب المحاسن والجمال وفنون الآداب والكمال، مثل الزهد في الشوهاء السوداء العجوز؟ ولا سواء.

فإنما يكون الزهد في الدنيا والإعراض عن لذائذها وشهواتها ذا شأن يزيد المرء قدرا ورفعة، ويكشف عن نفس زكيّة نقيّة، إذا نظرها فوجدها حسناء فاتنة الشمائل، فولاّها ظهره معرضا عن جمالها، صافحا عن محاسنها طالبا بهذا الإعراض ما هو أفضل عند الله وأطيب، وأمّا اذا تجلّت لديه سافرة النقاب مجرّدة الثياب، واختبرها معاشرة وصحبة، فرآها شوهاء عجفاء، بارزة العيوب، قبيحة المنظر، سيّئة المخبر والمعشر، لا تفي بوعد، ولا تركن الى عهد، ولا تصدق بقول، ولا تدوم على حال، ولا يسلم منها صديق، فكيف لا يقلاها ساخطا عليها متوحّشا منها، وكيف لا ينظرها بمؤخّر عينيه نظر المحتقر الملول.

وإننا على قصر نظرنا، وقرب غورنا، لنعرف حقّا أن حياتنا هذه وإن طالت صائرة إلى فناء، وعيشنا وإن طاب آئل الى نكد، وإننا سوف ننتقل من هذه الدار البائدة الى تلك الدار الخالدة، ومن هذا العيش الوبيل الى ذلك العيش الرغيد، وإن كلّ لذّة في هذه الحياة محفوفة بالمكاره، وكلّ عيش مشوب بالكدر، وإن هذه الأيام الزائلة مزرعة لهاتيك الأيام الباقية، وهل يحصد المرء غير ما يزرع، ويجازي بغير ما يفعل، وهل يجمل بالعاقل البصير أن يفتن بمثل هذه الحياة واللذائذ؟.

نعم إنما يحملنا على الافتتان بهذه العاجلة والصفح عن تلك الحياة الآجلة مع فناء هذه وبقاء تلك، امور لا يجهلها البصير وإن لم تكن عذرا عند مناقشة الحساب، ألا وهي حبّ العاجل، وضعف النفس، ونضارة هذه المناظر والزينة اللتان نصبتهما الدنيا فخاخا وحبائل، ولو شاء الانسان ـ وإن كان أضعف الناس بصرا وبصيرة ـ أن ينجو من هذه الشباك لكان في مقدوره، فكيف بأقوى الناس عقلا وأثبتهم يقينا، وأدراهم بالحقائق، حتّى كأنّ الأشياء لديه مكشوفة الغطاء بل لو كشف لهم الغطاء لما ازدادوا يقينا.

فإعراض محمّد وآل محمّد عليه وعليهم الصلاة والسلام عن هذه الحياة الدانية ورغائده إلاّ بقدر البلغة لتلك الحياة الباقية، إنما هو لأنهم يرونها أخسّ من حثالة القرظ وأنجس من قراضة الجلم (45) فما كانوا عليه شيء غير الزهد، بل هو أعلى من الزهد، غير أن ضيق المجال في البيان يلجئونا الى تسميته بالزهد، تنظيرا له بما نعرفه من نفائس هذا الوجود ومن الإعراض عنها.

فلا نستكبر بعد أن نعرف هذا عن محمّد وعترته ما يرويه أهل الحديث والسيرة والتأريخ عن صادقهم أنه كان يلبس الجبّة الغليظة القصيرة من الصوف على جسده والحلّة من الخزّ على ثيابه، ويقول: نلبس الجبّة لله والخزّ لكم (46).

أو يرى وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه، وفوقه جبّة صوف، وفوقها قميص غليظ.

أو يطعم ضيفه اللحم ينتفه بيده، وهو يأكل الخلّ والزيت ويقول: إن هذا طعامنا وطعام الأنبياء (47) الى أمثال ذلك من مظاهر الزهد.

إن من قبض عنان نفسه بيده وتجرّد عن هذه الفتن الخدّاعة في هذه الحياة، واتجه بكلّ جوارحه لرضى خالقه يستكثر منه اذا روت الثقات عنه هذا وأشباهه.

وما كان غريبا ما يروى من دخول سفيان الثوري (48) عليه، وكان على الصادق (عليه السلام) جبّة من خز، وقول سفيان منكرا عليه: إنكم من بيت نبوّة تلبسون هذا، وقول الصادق (عليه السلام): ما تدري أدخل يدك، فاذا تحته مسح من شعر خشن، ثمّ قال (عليه السلام): يا ثوري أرني ما تحت جبّتك، فإذا تحتها قميص أرقّ من بياض البيض، فيخجل سفيان ثمّ يقول له الصادق (عليه السلام): يا ثوري لا تكثر الدخول علينا تضرّنا ونضرّك (49).

وأمثال هذا ممّا روي عنه جمّ كثير، نحن في غنى عن سرده، فإنّ سادات أهل البيت أعلى كعبا، وأرفع شأنا، من أن تحسب مثل هذه الشؤون فضائلهم الجليلة.

وأمّا سفيان فجدير بالامام ألاّ يرغب في دنوّه ما دام يخالفه في رأيه وسيره وعمله وعلمه، وأمّا الضرر على الامام وعليه من دخوله على الامام، فلأن السلطان قد وقف للإمام بالمرصاد، لا يريد أن يظهر له شأن ولا أن يكثر عليه التردّد، فالدخول عليه يجعل الإمام معرّضا للخطر، ويجعل الداخل معرّضا للأذى، لا سيّما اذا كان الداخل ذا شأن ومقام بين الناس كسفيان الثوري.

..................................................
(1) بحار الأنوار: 47/40/47..
(2) وسائل الشيعة: 3/268..
(3) بحار الأنوار: 47/40/48..
(4) مجالس الصدوق ;، المجلس/18..
(5) الكافي: 2/203/15..
(6) الكافي: 2/203/18..
(7) كشف الغمّة، في أحوال الصادق 7: 2/205..
(8) جمع ثبنة بالضم وهي الموضع الذي تحمل فيه من ثوبك تثنيه بين يديك ثمّ تحمل فيه من التمر أو غيره..
(9) بالمهملتين والمعجمتين: قطع التمر..
(10) بحار الأنوار: 47/51/83..
(11) المجلس/31 من أمالي الطوسي طاب ثراه..
(12) المجلس/11 من أمالي الطوسي طاب ثراه..
(13) بحار الأنوار: 47/61..
(14) نفس المصدر..
(15) هو من الشعراء المجيدين والمجاهرين بالولاء والحبّ لأهل البيت، ترجم له في الأغاني: 17/30 وأعيان الشيعة: 13/346..
(16) مناقب ابن شهرآشوب: 4/274..
(17) الكشي: ص 121..
(18) بحار الأنوار: 47/38/40..
(19) نفس المصدر..
(20) وهو محمّد بن حكيم من أصحاب الصادق ورواته، وروى عنه الثقات وأصحاب الاجماع..
(21) مناقب ابن شهرآشوب: 4/273..
(22) هو الحسن بن علي الأصغر بن علي بن الحسين 8 وخرج مع محمّد بن عبد الله وكانت بيده راية بيضاء وابلى، ويقال: إنه لم يخرج معه أشجع منه ولا أصبر وكان يقال له رمح آل أبي طالب لطوله وطوله ولما قتل محمّد اختفى الحسن هذا، وحين دخل الصادق العراق ولقي أبا جعفر تشفّع به فشفعه، ومع هذه الصنيعة وتلك الصلات حمل عليه بالشفرة..
(23) الرعد: 21..
(24) غيبة الشيخ الطوسي طاب ثراه، والمناقب: 4/273..
(25) مشكاة الأنوار: 217..
(26) الكافي: 2/156/25..
(27) الكافي: 8/87..
(28) طول اللسان..
(29) بحار الأنوار: 47/61..
(30) المناقب: 4/275..
(31) المناقب: 4/274..
(32) سيأتي في المشاهير من ثقات رواته..
(33) سيأتي في مواليه..
(34) روضة الكافي: 8/87/49..
(36) بحار الأنوار: 47/59/111..
(37) واسمه سعيد بن بيان وكان من أصحاب الصادق وثقات رواته..
(38) الختن ـ بالتحريك ـ الصهر..
(39) الكافي: 2/209/4..
(40) بحار الأنوار: 47/18/8..
(41) مناقب ابن شهرآشوب: 4/238..
(42) رجال الكشي: ص 166..
(43) الكافي: 1/169/3..
(44) كتاب التوحيد: باب إثبات حدوث العالم..
(45) القرظ: ورق السلم، والجلم: ما يجز به..
(46) لواقح الأنوار للشعراني عبد الوهاب بن أحمد الشافعي: 1/28، ومطالب السؤل..
(47) الكافي: 6/328/4..
(48) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي الشهير وله رواية عن الصادق (عليه السلام) ولد أيّام عبد الملك، ومات بالبصرة عام 161..
(49) لواقح الأنوار ومطالب السؤل وحلية الأولياء: 3/193 وقد روي إنكاره على الإمام حسن بزّته من طرق عديدة وفي كيفيّات عديدة، ولعلّها كانت متعدّدة، فلا يمتنع في الثانية بعد جوابه في الأولى، وممّن روى ذلك أبو نعيم في حلية الأولياء: 3/193 وقد ذكرنا مناظرة الصادق (عليه السلام) الطويلة في الزهد مع سفيان وجماعته في اخريات حياته العلميّة..

اضف تعليق