إن الحفاظ على قدسية كربلاء، مسألة لا تتعلق بالمظاهر العامة فقط، وإنما تشمل السلوك الفردي والجماعي، علماً ان القضية لا تنحصر في هذه المدينة وحسب، إنما تشمل كل مدينة تحتضن مرقد للأئمة المعصومين، او لأحد أولياء الله الصالحين، فهي ايضاً مشمولة بالقدسية وبالقانون الطبيعي المفترض...

في فلسفة القانون، هنالك مدرسة القانون الطبيعي، ومدرسة القانون الوضعي، الاولى؛ تمثل –حسب علماء القانون- قيماً وحقوق معينة متأصلة بفعل طبيعة الانسان، وتعتمد العقل في تحليل كل من طبيعة الانسان الاجتماعية والشخصية للتوصل الى قواعد ملزمة للسلوك الاخلاقي، ولذا يؤكد العلماء على عالمية القانون الطبيعي.

أما القانون الوضعي فهو "مجموعة من القواعد والاحكام الملزمة والصادرة عن ارداة الدولة بطريق التشريع او العرف او القضاء"، وبما ان القانون الوضعي ناشئ بالاساس من الفلسفة الوضعية ذات الصبغة المادية، فانها "تنكر المبادئ العامة وتهتم بدراسة الظواهر في الزمان والمكان"، بما يفيد مجتمع ما لفترة زمنية معينة حسب مقضيات الظروف الاجتماعية، لذا فهي قابلة دائماً للتغيير والتعديل. وهو ما نراه معتمداً في معظم دول العالم، لاسيما بلادنا الاسلامية.

واذا وضعنا مفردة "المقدس" الى جانب "القانون"، وفي ظل المتبنيات الموجودة، نلاحظ التعارض الواضح، فكيف للقانون المرتكز اساساً على مفاهيم مادية، وتنكر الثوابت والقيم الاخلاقية، ان يحمي ويصون أمراً ذو طابع معنوي محض، مثل "القدسية" لمكان او شخصية معينة، لاسيما وأن المقدّس، من حيث اللغة يعني؛ الطهارة والتنزيه؟

لسنا بوارد البحث في فلسفة القانون واتجاهاته، بقدر ما نرمي من وراء هذه المقدمة التعرف على جدوائية إصدار مجلس محافظة كربلاء "قانون قدسية كربلاء"، وهو يهدف بشكل واضح التأكيد على انسجامه مع القيم والمبادئ في هذه المدينة لما لها من طابع ديني وحضاري.

فاذا عرفنا ان اهمية هذه المدينة لم تأت من رؤية فلسفية نابعة من تصورات بشرية، كما أبدع الفلاسفة وعلماء القانون، فان الالتزام بقدسية المدينة يفترض ان تمثل حقاً طبيعياً لها كونها تحتضن مرقد الإمام الحسين، وأخيه أبو الفضل العباس، عليهما السلام، وما قدموه للعالم من مفاهيم وقيم عليا في واقعة الطف.

هذا من الناحية النظرية، تبقى الناحية العملية والتطبيق على ارض الواقع، فان القضية تعود كلية الى إيمان المجتمع وأخلاقه، ومستوى وعيه وثقافته، وهو ما جربته كربلاء المقدسة طيلة عقود من الزمن متعاليةً على الظروف والاجواء الحاكمة وبشكل قاهر، والمثال الأبرز في ذلك؛ الحجاب، ففي سنوات حكم حزب البعث في سبعينات القرن الماضي، كانت المرأة العراقية القادمة من مدن أخرى، لاسيما من العاصمة بغداد، تحرص على ارتداء العباءة في لحظة ترجلها من الحافلة، وهو ما كنت ألاحظه بنفسي، من دون وجود أي قوانين او تعليمات معينة من جهات رسمية تلزم النساء ارتداء العباءة، علماً ان من اتحدث عنهنّ من النسوة، لم يكنّ من السافرات، بل كنّ يرتدين غطاء الرأس مع المانتو، وكذا الحال بالنسبة لمختلف المظاهر في ملامح المدينة آنذاك، بما يدلل للزائر انه حقّاً في مدينة مقدسة.

إن الحفاظ على قدسية كربلاء، مسألة لا تتعلق بالمظاهر العامة فقط، وإنما تشمل السلوك الفردي والجماعي، علماً ان القضية لا تنحصر في هذه المدينة وحسب، إنما تشمل كل مدينة تحتضن مرقد للأئمة المعصومين، او لأحد أولياء الله الصالحين، فهي ايضاً مشمولة بالقدسية وبالقانون الطبيعي المفترض ان يتكفل بحقوقها، وإلا فان مناسبة يوم رأس السنة الميلادية، او مناسبات اخرى يرى البعض انها جديرة بالاحتفال والابتهاج، مثل مهرجان الالوان، او ما يُسمى ب "عيد الحب" وغير ذلك، إن هي إلا مظاهر محكومة بظروف الزمان والمكان، ثم يعود كل شيء على حاله في كربلاء او النجف او غيرها من الاماكن المقدسة، وهذا يضع القدسية -التي هي بالاساس فوق تقييم البشر، بقدر ما نرى البشر هم الذين ينسبون انفسهم الى القدسية والطهر والنقاء- على بساط البحث والنقاش، والحديث عن الحرية، ومساحاتها ومفهومها، وهناك من سيتحدث عن حرية أداء الشعائر الحسينية في وقتها المحدد. فما المانع من القيام بفعاليات أخرى في ايام اخرى من السنة، لاسيما اذا كانت تجلب البهجة والسرور وتزيل الكآبة والرتابة عن وجه المجتمع؟!

نعم؛ من شأن القوانين في قواعدها وأنظمتها الحالية، التذكير والتنبيه على الخطأ من بعض الناس وتحذيرهم من مغبة ارتكاب المخالفة والاصطدام بالعقوبة، كما هو الحال في بعض حالات التجاهر بالإفطار في نهار شهر رمضان، او التبرّج الصارخ والمثير للفتنة، او رفع صوت الموسيقى بشكل مثير داخل السيارات أو المحال التجارية، بيد ان كل هذا يمثل جانباً مساعداً لأداء حق القدسية لهذه المدينة او تلك، وليست هي كل شيء، بشكل يعتمد عليها البعض، لأن الجانب الأهم والاكثر فاعلية يكمن في الوازع الاجتماعي والرأي العام السائد والملتزم بالقيم والمبادئ، وقد ثبت بالتجربة اكثر من مرة، ان أي سلوك فردي لن يمر مرور الكرام، إلا بموافقة الجماعة، من خلال الصمت وعدم اتخاذ الموقف المطلوب من الخطأ الحاصل.

ولابد ان نعرف – بعد كل هذا- أننا لسنا أمام حقوق شخصية، كما يفسره علماء القانون، فاذا لم يُحترم القرآن الكريم –مثلاً- او المسجد، أو صوت الأذان، او شهر رمضان، أو اي مظهر من المظاهر المقدسة، لن يكون هنالك مدّعي في المحكمة على من انتهك الحرمة او أساء الأدب، كما يتعرض شخصٌ ما لإساءة معينة او إضرار او جريمة معينة، إنما القضية تتعلق بالايمان والعقيدة والاخلاق، وهي من الامور النسبية في النفوس، فكلما زادت هذه النسبة، كان الاحترام والالتزام بالقدسية اكثر؛ فمن يروم انتهاك القدسية، سواء عن عمد او بشكل عفوي، سيكون نصب عينيه الواقع الاجتماعي الملتزم بهذه القدسية، اكثر من التزامه بالتجارة وطرق كسب الربح المضمون، وبناء البيوت الفارهة واقتناء السيارات الحديثة واللهاث وراء المناصب والامتيازات.

........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق