مفهوم التخلف والمطبق بحرفية صادمة على الشرق لا سيما العربي والاسلامي هو التبرير الذي يطرحه الغرب بإزاء هذا الحق المصطنع، وقد تمت استعارة هذا المفهوم ذي النكهة الاستعمارية والرؤية التمييزية الغربية من قبل الأنظمة الدكتاتورية العربية بعد الانقلابات العسكرية التي جاءت بها الى السلطة ومنذ...

يشكل الهجاء في الشخصية العربية بعدا متأزما وقارا في الذاكرة الأدبية وتبلور، في التعبيرات الأدبية كانطباعات حادة في ظاهرة النقد التي تسللت الى الفضاء العربي من خلال أدوات وتقنيات الحداثة التي وفدت على البلاد العربية.

فالنقد مصطلحا ومفهوما كان واحدا من أفكار ونماذج الحداثة المعروضة على الثقافة العربية الحديثة التي ركزت بقوة على موضوعة النقد كآلية أو ممارسة توعوية وطالت عملية النقد كل شيء في الحياة العربية من النظام الاجتماعي القبلي، الى النظام الاقتصادي الاقطاعي، الى النظام الديني المعرفي والسلوكي، وطال النقد أيضا كل الموروث الثقافي الذي يجسد ويشكل هوية الأمة ووجودها الثقافي مما نتج عنه حالة من الفصام بين النخب العربية المثقفة والمجتمعات العربية المتمسكة بتراثها وتقاليدها وعاداتها، وكانت تلك النخب تشعر بحالة من اللاانسجام بينها وبين الذات الاجتماعية العربية.

وقد استعارت هذه النخب مفهوم الاغتراب ذي الجذر الهيكلي والتفسير الماركسي في تفسير العلاقة الغائمة بينها وبين مجتمعاتها، وتشكلت في صيغ النقد المقترحة لهذه النخب حالة من الازدراء الثقافي تجاه مجتمعاتها وهي تتسبب عن حالة العقم التي عاشتها تلك المجتمعات في الاستجابة الولَّادة والمبتكرة للمنجزات الحداثوية في العالم من ناحية، ومن ناحية أخرى الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت عليها تلك النخب المثقفة كطبقة وسطى بدأت وتكونت على أثر تأسيس الدولة العربية الحديثة في اعقاب الحرب العالمية الأولى، اضافة الى رصيد الفكر الحديث الذي تبنته تلك النخب والذي يتقاطع بطبيعته وتفكيره مع رصيد المعرفة والفكر لدى هذه المجتمعات في تراثها ونظامها المعرفي الذي ينتمي الى العالم القديم، وهو ما يغري بالنقد لها وفق معايير الفكر الحديث وآليات المعرفة الحديثة لاسيما وسائل ومناهج التفكير العلمي التي طبعها العلم الحديث بطابعه التقني والرياضي والتجريبي، وتأطرت بمقولة الموضوعية من أجل افراز الذات عن الموضوع في البحث والمعرفة العلمية.

من هنا أفرزت الذات النخبوية عن الذات الاجتماعية العربية كموضوع للدراسة والبحث ومن ثم النقد، وفي هذا الموقع المتميز والمنفصل بدأت تترسم العلاقة بين النخب والمجتمعات العربية وبدأت ملامح الاغتراب تترسم أبعادها في هذه العلاقة، لكن ومن جانب أخر وفي تلك المفارقة العربية لم تكف هذه النخب عن تكثيف رسوم العلاقة بمجتمعاتها وتأكيدات الصلة بها من خلال الاعلان المستمر لها عن تمثيلها لجماهير هذه المجتمعات، بل ورسخت في أدبياتها السياسية فكرة الممثل الحقيقي لهذه الجماهير العربية.

وقد ترجمت تلك النخب هذا التمثيل وحققت ذلك الموقع لها في الصدارة الاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات عن طريق التنظيمات السياسية والتشكيلات الحزبية التي نظمت النخب اليسارية والقومية عملها السياسي والتثقيفي من خلالها، وتبنت آيديولوجيا مسؤولية التغيير والتطوير لهذه المجتمعات العاجزة عن التطوير الذاتي لقدراتها وامكاناتها في ظل حالة من الاستلاب لحقوقها وثرواتها على أيدي الأنظمة الحاكمة والمستبدة في الدول العربية.

وتشكل المسؤولية المحتوى الداخلي واللاواعي للسلطة وبه تنتظم الاحساسات النفسية للسلطة. فالمسؤولية حس انساني يتحول مع عدم الترويض له الى حس أو امتياز بالسلطة. وقد تكونت على أثر ذلك نوع من السلطة غير المعلنة أو الناعمة كانت تمارسها هذه النخب وتنظيماتها بامتلاكها حق التمثيل لهذه المجتمعات، كما تكشف أدبياتها السياسية والفكرية وهي تتحدث عن قيادة الجماهير نحو تحقيق أهدافها القومية أو أهداف العدالة الاجتماعية، ونجد تلك الدلالة في اللغة الموظفة بهذا الشأن ومصطلحاتها.

فالمرجعية الفكرية والضبط التنظيمي ومواجهة الاشاعة ومقررات المؤتمرات والبيانات الصادرة عن المؤتمرات والموقف الرسمي للتنظيمات والاصغاء الى القرار التنظيمي كلها عمليات تهدف الى تكريس السلطة في الوسط الجماهيري والسياسي لهذه النخب عن طريق تلك التأثيرات التي ترافق التوجيه والتخطيط والقيادة.

وقد عرفت موسوعة علم النفس السلطة بأنها تأثير محتمل يمارسه فرد معين على فرد او على مجموعة أفراد، وموضوع أو مجال هذا التأثير هو المعرفة والمواقف والسلوك والانفعالات وتعبيراتها، ويمكن لهذا الفرد الذي يجسد صورة هذه السلطة أن يمثل جماعة يرغب أفراد آخرون بالانتماء اليها – موسوعة علم النفس، رولان دورون. فرنسواز بارو، ترجمة د. فؤاد شاهين، ج 1 ص 140 –

ويقف مصطلح الطليعة في مقدمة اللغة التوظيفية وتعبيراتها في حقل السلطة واستعماله في توصيف الذات الحزبية بشكل مكثف في الأدبيات السياسية للتنظيمات السياسية والحزبية العربية، والتركيز على وظيفتها في تحمل أعباء المسؤولية المناط بهذه الطليعة يكشف عن الحس النخبوي المتجذر في القناعة الذاتية لدى هذه النخب، ويكشف عن نزوع أو دور السلطة الضامر والمتنامي بالحس النخبوي في الخطاب السياسي التنظيمي والحزبي العربي، وهو ما أوقع تلك النخب التي تبنت المعارضة السياسية للنظام السياسي الرسمي العربي في أحبولة السلطة، ومن هنا نجد تطابق فكرة تحمل أعباء المسؤولية بين الخطابين العربيين السياسيين الرسمي والمعارض، وهو تعبير عن تنافس بين السلطتين اللتين يكتنزهما كلا الخطابين على احتكار المسؤولية عن الجماهير، وهنا الاحتكار تنفيذ عملي لمخطط السلطة ويكشف عن تطابق المفاهيم كأدوات اصطلاحية بين الخطابين في التوجه نحو فهم المجتمعات العربية.

ولعل مفهوم التخلف يتصدر تلك المفاهيم المتطابقة في الرؤية والتقييم والتي يتوافق كلا الخطابين على التسليم بها كحالة واقعة في مجتمعاتنا العربية، ويفسر ذلك التطابق صدور هذا المفهوم أو التقييم وفق اصطلاحه عن منحنى السلطة سواء المنحى السياسي الرسمي لها الذي يتشكل في المنصب، أو المنحى النخبوي المعارض الذي يتشكل في الدور.

ونؤشر هنا اختلاف ادارة هذا المصطلح بالنسبة للخطاب الرسمي الذي تستحضره السلطة لإقصاء الشعب العربي عن السلطة بحكم هذا التخلف، وبالنسبة للخطاب المعارض فان ادارة هذا المصطلح تكمن في وظيفته المرسومة له في استدامة الوصاية على الشعب العربي وفرض السلطة التضمينية في الحالة النخبوية، والتي تجاوزت أي هذه النخب مرحلة التخلف أو طوره الاجتماعي، وهو ما يؤكد لنا العلاقة الماهوية بين السلطة ومقولة التخلف كما أفرزتها التجربة السياسية العربية.

وما يوحي لنا بتلك الدلالة هو غياب التداول الخطابي لمفهوم ومصطلح الحرمان بشكل أولي وأساسي فاعل، وحضوره أحيانا يكون بشكل ثانوي وغير فاعل على أو في مستوى الفهم السياسي والأيديولوجي لكلا الخطابين المتعارضين والمشتبكين في الصراع من أجل السلطة – المنصب، و اضافة الى المبتغى السلطوي وتبريره في مفهوم التخلف، فإن تغيب مفهوم ومصطلح الحرمان عن الموقع المركزي له في تفسير حالات التردي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والخدماتي انما يحيل التداول الخطابي لمفهوم التخلف في جانبه غير المعلن والضامر باللاوعي العربي الى خاصية الهجاء والمتمرسة فيها الذات الاجتماعية العربية، وما يبرر ادراجها أو ادراج النقد السياسي لكلا الخطابين في هذا الحقل ضمن تصنيفات الهجاء أنه يستحضر في مفهوم التخلف حالات الازدراء لهذه المجتمعات، او الازدراء بها، لأن مصطلح التخلف تكمن جذوره أو أولياته في الرؤية الغربية الاستشراقية التي تطال العرب وأكثر مجتمعات الشرق وتوصمهم بالتخلف الأبدي والجوهري في ذاتهم العربية والشرقية.

ومن هنا جاءت فكرة الانتداب بواسطة دول الغرب المستعمر على مجتمعات الشرق والدول المنتزعة من سلطة ألمانيا وتركيا في آسيا وأفريقيا بعد الحرب العالمية الاولى بعد تعديلها عن فكرة الوصاية، فهذه الدول والشعوب غير قادرة على ادارة أحوالها وسياساتها نتيجة التخلف الذي تمر به كحالة مستديمة وجوهرية وليست عابرة أو طارئة، وبذلك كان الانتداب يكرس حق احتكار التمثيل لهذه الدول والشعوب على المستوى الدولي والمحلي، وهو ما سمح ايضا في تطورات هذا الاحتكار الى حق التمثيل للمجتمع الدولي الذي منحه الغرب المستعمر لنفسه واستمرار هذا الحق السياسي حتى بعد انتهاء مرحلة أو عصر الاستعمار.

وكان مفهوم التخلف والمطبق بحرفية صادمة على الشرق لا سيما العربي والاسلامي هو التبرير الذي يطرحه الغرب بإزاء هذا الحق المصطنع، وقد تمت استعارة هذا المفهوم ذي النكهة الاستعمارية والرؤية التمييزية الغربية من قبل الأنظمة الدكتاتورية العربية بعد الانقلابات العسكرية التي جاءت بها الى السلطة ومنذ خمسينات القرن العشرين لتمرير سلطتها وسيطرتها على الشعوب العربية وحرمانها من المشاركة في السلطة تحت يافطة وتبرير التخلف.

وقد تسلل هذا المفهوم الى الفكر النخبوي العربي والى التداول الثقافي في الوعي العربي الحديث وان لم يكن يهدف بظاهر الوعي لدى هذه النخب الى اقصاء الشعوب العربية أو الاستحواذ الدكتاتوري على السلطة، لكنه تمت صياغته باللاوعي العربي ضمن مفهوم الهجاء، واستبدلت تلك النخب مفردة الهجاء بمفردة النقد ذي الصيغة والماهية السياسية والايديولوجية، وكان مفهوم التخلف هو النموذج الأول في التوصيف النقدي لمجتمعاتنا ويحتل الدرجة الأولى في قائمة النقد السياسي العربي الحديث وعلى حساب مفهوم ومصطلح الحرمان الذي يترتب في ثانوية التداول الثقافي والسياسي له.

وما يطابق بين الهجاء العربي القديم والنقد السياسي الحديث في الأدبيات السياسية العربية الحديثة بشقي الخطاب العربي الرسمي والمعارض هو أن الهجاء يدع الباب مفتوحا أمام تقولاته دون ان يضع البديل أو الحل بإزاء ما يقال فيه الهجاء في موضوع او خلق او عادة في الشخص الذي يتناوله الهجاء العربي لاسيما في الشعر، وكذلك النقد السياسي العربي فأنه يفتح قائمة تطول ولا تنتهي أزمنتها في النقد والتوصيف والتحليل الحاد والجارح أحيانا دون أن يضع البديل والحل بشكل عملي بل وحتى بشكل نظري.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق