تزايد الجدل وتشعب، وتباينت وجهات النظر حول سياسة تركيا وإيران تجاه العرب، وخصوصاً بعد التدخل التركي في ليبيا وقبله في سوريا والتدخل الإيراني في العراق وسوريا ودول عربية أخرى. غالى البعض في نقد هذا التدخل إلى درجة تصنيف إيران وتركيا كأعداء للعرب وأنهم يلعبون دوراً...

تزايد الجدل وتشعب، وتباينت وجهات النظر حول سياسة تركيا وإيران تجاه العرب، وخصوصاً بعد التدخل التركي في ليبيا وقبله في سوريا والتدخل الإيراني في العراق وسوريا ودول عربية أخرى. غالى البعض في نقد هذا التدخل إلى درجة تصنيف إيران وتركيا كأعداء للعرب وأنهم يلعبون دوراً وظيفياً لصالح سياسة واشنطن في المنطقة أو على الأقل أن سياساتهما تخدم الغرب وإسرائيل، بينما كان موقف آخرين أقل تشدداً وتحفظاً في نقدهم من منطلق أن البلدين يدافعان عن مصالحهما القومية في مواجهة تهديدات ناتجة عن حالة الفوضى التي انبثقت عما يسمى الربيع العربي، وأن التدخل الإيراني والتركي يصب في النهاية لصالح دول المنطقة بما فيها الدول العربية ما دام موقفهما المُعلن معارضاً للسياسة الأمريكية وللجماعات الإسلاموية المتطرفة.

في ظني أن حالة الفوضى في المنطقة وتعقيدات المشهد الجيوسياسي والجيواستراتيجي بالإضافة إلى الخلفية التاريخية المتوترة للعلاقة بين العرب وهذين البلدين هو السبب في هذا الجدل وتباين المواقف. وقبل الاسترسال في مقاربة العلاقة بين الطرفين، ومع إدانتنا للتدخل العسكري للدولتين ولأي دول أخرى في الدول العربية، نطرح أسئلة تمهيدية قد تسهل علينا فهم ما يجري ومنها:-

1- ماذا نقصد بالعرب الذين تعاديهم هاتين الدولتين، وخصوصاً أن تدَخُل إيران بداية في العراق وسوريا كان بطلب من حكومتي هذين البلدين، والتدخل التركي في ليبيا بطلب من الحكومة المعترف بها دولياً القائمة في طرابلس، والتدخل في الشأن الفلسطيني كان بطلب من حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى في غزة؟.

2- هل يوجد مشروع عربي قائم أو استراتيجية عربية موحدة لنقول إن (المشروع الإيراني الفارسي) و(المشروع التركي العثماني) يقفان في حالة تعارض معه ويُفشلان فرص تحققه على الأرض؟.

3- كيف نتهم إيران وتركيا بأنهما معاديان للعرب بينما كل منهما له علاقات تصل أحياناً لدرجة التحالف الاستراتيجي مع أنظمة عربية وحركات سياسية ذات ثقل سياسي في بلدانها، مثلا علاقة تركيا بقطر وعُمان وحركة حماس ودول أخرى تقف موقف الحياد، وعلاقة إيران بسوريا والعراق وبالإمارات العربية والكويت وعُمان وحزب الله اللبناني وحركة حماس وجماعة الحوثي في اليمن؟.

4- وهل إن علاقة إيران في زمن الشاه وعلاقة تركيا في زمن حكم العسكر قبل مجيء أردوغان مع العرب وبالنسبة للقضية الفلسطينية وعلاقاتهما مع إسرائيل وواشنطن كانت أفضل حالاً من علاقتهما اليوم مع العرب وبالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية؟.

لا يعني ما سبق من تساؤلات تبرير سلوك الدولتين تجاه المنطقة العربية، بل هي اسئلة لإطلاق عنان فرس النقاش على أرضية واقعية بعيدا عن خيلاء الايدولوجيا وعن بحبوحة النقاش المنفصل عن الواقع حيث لهاتين الدولتين كما هو الشأن بالنسبة للدول الأخرى مصالحهما القومية العليا التي لها الأولوية على أية رابطة أو مصالح أخرى دينية كانت أو أخلاقية، حتى تعاملهما مع القضية الفلسطينية إنما ينطلق من منطلق التوظيف السياسي لخدمة مصالحهم الاستراتيجية، ولكن علينا الاعتراف بأن الخلل لا يكمن فيهما فقط بل في (العرب ) أنفسهم، في حالة الفراغ الاستراتيجي عند العرب وغياب موقف عربي موحد وعنوان ومرجعية واحدة تتحدث وتعبر عن ما يريده العرب وعن مصالحهم.

لأن السياسة الدولية وفي مجال الجيواستراتيجيا لا تقبل الفراغ فإن انحسار أو غياب المشروع القومي العربي المُفترض وحالة الفوضى والفراغ الناتجة عن فوضى الربيع العربي هو الذي سمح لأصحاب المشاريع الأخرى أن تملأ الفراغ وتوظف الحالة لصالحها، وهذا ينطبق على المشروع الإسرائيلي والمشروع الغربي الامبريالي والمشروع الروسي والمشروع التركي والمشروع الإيراني، وربما غداً مشاريع أخرى، مع فارق بطبيعة الحال في درجة العداء أو تعارض المصالح مع هذه الدولة العربية أو تلك أو مع المشروع القومي العربي المفُترض.

إلى ما قبل حرب الخليج الأولى 1988-1980 بين العراق وإيران كان أي حديث عن الصراع في المنطقة العربية ينحصر بالصراع العربي الإسرائيلي، مشروع قومي عربي محل التأسيس في مواجهة مشروع إسرائيلي صهيوني. صحيح، إن المشروع القومي كان أقرب للحلم مما هو واقع وخصوصاً بعد الشرخ الذي حدث على إثر إعلان السادات زيارة إسرائيل ثم توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد 1978، حيث تشكلت جبهة الصمود والتصدي وتم عزل مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، وتباعدت الهوة ما بين الواقع العربي من جانب وشعارات ومستلزمات وجود مشروع قومي عربي يتحدث عن الوحدة العربية والعمل العربي المشترك ووحدة المصير والأمن القومي العربي الخ من جانب آخر، إلا أن الأنظمة العربية حافظت على الحد الأدنى من العمل المشترك انصياعاً للحس الشعبي المؤمن بالعروبة وبالوحدة العربية، أيضاً لأن الأيديولوجية القومية العربية كانت سلاحاً بيد الأنظمة العربية لمواجهة أيديولوجيات تهدد وجودها، كالشيوعية والإسلام السياسي.

خلال حرب الخليج الأولى ظهرت حالة من التضامن العربي أو صحوة الموت للمشروع القومي العربي في مواجهة خطر جديد افترضته بعض الأنظمة العربية وهو الخطر الشيعي الإيراني، حيث لم يشفع للثورة الإيرانية موقفها المعادي لإسرائيل حيث أغلقت السفارة الإسرائيلية وحولتها لسفارة فلسطين، ولا موقفها المُعلن المعادي لأمريكا واعتبارها الشيطان الأكبر، ودخلت العراق مدعومة بالمال الخليجي في حرب مع إيران لحماية العراق والدول العربية من تهديدات الثورة الإيرانية بتصدير الثورة إلى دول الجوار، وكان للخوف العراقي ما يبرره وهو ما تأكد بعد احتلال وتدمير الدولة العراقية وإسقاط نظام صدام حسين. تعاظم التخوف من إيران مع تزايد التدخل الإيراني في المنطقة خلال فوضى الربيع العربي، واستمرت العلاقة متوترة ما بين إيران وبعض الدول العربية إلى اليوم.

إذا كانت المذهبية الدينية والطائفية منطلق حالة الصدام أو العداء الإيراني العربي –سنة في مواجهة شيعة- أو هكذا حاول الطرفان تظهير الخلاف، فإن المذهبية الدينية والطائفية كانت غائبة عن حالة العداء والصدام بين العرب والأتراك السُنة، وهذا يمنح مصداقية لأي تحليل للصراع في المنطقة يستبعد العامل الديني للصراع ويؤكد أولوية المصالح.

كان موقف تركيا قبل حكم حزب العدالة والتنمية معاد بالمطلق للعرب ومؤيداً بالمطلق لإسرائيل، ومع بداية حكم أردوغان أصبحت العلاقة أفضل حالاً مع جميع الدول العربية حتى مع سوريا، ونتذكر هنا الدور السوري في اعتقال الزعيم الكردي أوجلان وتسليمه لتركيا، ولم تتغير السياسة التركية إلا بعد فوضى الربيع العربي التي امتدت لسوريا، حيث دعمت تركيا المعارضة السورية وخصوصاً الجيش السوري الحر، وكان لها دور في تسهيل مرور الجماعات الدينية المتطرفة إلى سوريا بل وتقديم الدعم اللوجستي لها، وإن كانت تركيا بررت ذلك بالدفاع عن مصالحها القومية ومنع قيام كيان للأكراد على حدودها مع سوريا ومنع تدفق المهاجرين لأراضيها فإن نتائج تدخُّلها زاد من تفاقم حالة الفوضى وأضعف كثيراً الدولة السورية وخصوصاً أن تركيا كانت تنسق سياساتها مع واشنطن كما احتفظت بعضويتها في حلف الأطلسي وبعلاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل.

مع ادانتنا للتدخل العسكري الإيراني والتركي وكل تدخل خارجي في الدول العربية، فإن كلاً من الدولتين تعرف ما تريد وتتصرف استراتيجياً وفق مصالحها القومية ولكل منها قائد واحد ومرجعية واحدة، بينما العرب مختلفون فيما بينهم ولا يعرفون ماذا يريدون ولا توجد استراتيجية توحدهم، ولا يوجد لهم عنوان أو زعيم يلتفون حوله وينطق باسمهم، وبالتالي فالمعادلة هي إيران الواحدة الموحدة وتركيا الواحدة الموحدة مقابل 22 دولة تُنعت بالعربية لمجرد أنها ناطقة بالعربية ولا يوجد مشترك بينها إلا اللغة.

في ظل تحوُّل بلاد العرب لساحة صراع إقليمي ودولي على المصالح، ومع استمرار الصراعات العربية/العربية وغياب المشروع القومي العربي أو الحد الأدنى من التنسيق بين الدول العربية، فإن دول الجوار وكل أصحاب المشاريع الأخرى سيستمرون في الدفاع عن مصالحهم وانتهاك سيادة الدول العربية ما دام القتال يدور على أرض العرب وبأموال العرب وبأرواح العرب.

وأخيرا وبالنسبة للسؤال المركزي الذي يطرحه عنوان المقال، نقول بأنه في السياسة لا توجد عداوات دائمة ومطلقة ولا صداقات دائمة ومطلقة بل مصالح دائمة، وحيث إن ما بين العرب ودول الجوار من المصالح والروابط المشتركة أكثر مما بينهم من قضايا خلافية فإن العلاقة بين الطرفين ستبقى في حيز وسط أو في منطقة ضبابية ما بين العداء والصداقة.

[email protected]

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق