وفي إطار لغة ما يتحدث به الغربيون، نخاطبهم هل حرب روسيا وأوكرانيا هي انعكاس لجهل الغرب؟ مشكلة الغرب أنهم يجيدون صناعة الكذب، ويؤمنون بهن ويعتبرونه في وقته منطقا لديمومة الحياة، وهو منهج عمل لهم في السياسة والتعامل، لا سيما مع الشرقيين، لكنهم بعد حين من الوقت يعترفون أنهم اخطئوا...

العمى السياسي والاجتماعي من أخطر الأمراض النفسية، التي إذا ما اصابت طرفا ما فأنها تفترس عقله وثقافته وتجعله يفكر بطريقة متطرفة ومنحازة، وبعيدة كل البعد عن الحيادية أو المنطقية والوسطية، وقد يصادفنا شخص أو مجموعة أشخاص مصابون بالعمى الفكري والانحراف النفسي، أو فقدان البصيرة والوعي، والانصاف في التعامل مع الآخرين، لكن ما يجعل الحالة في المستوى الخطر هي عندما تصاب منظومة اجتماعية وسياسية على مستوى قارة أو أكثر ليكون منهج حياة.

كلنا يتابع الحرب الروسية الأوكرانية التي ضربت عمق المجتمع الغربي، وجعلته في مهب العاصفة والتدهور على صعيد الجوانب الأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأظهرت هذه الحرب عيوبا، لتلك الشخصيات السياسية والزعامات الغربية من بينها الانحياز والعمى، لتعطي المتلقي صورة دقيقة على أن تلك الصفة تمثل المجتمع الغربي جميعا.

فكنا نقول إن الغربيين يتعالون ويتطاولون على الشرقيين، على مستوى الشكل واللغة واللون والجنسية، وعلى الرغم من أن الغرب أكثر ما يشغل به المؤسسات الفكرية والاكاديميات ومراكز الأبحاث عالميا تبنيه لشعارات تنمية الانسان وتجاوز أزمة التطرف والتحيز والكراهية، ومحاولة وضع الانسان ضمن قالب التفكير المتوازن غير المنحاز بغية تحقيق العدالة، ويقابل ذلك أن أكاديميات ومراكز أبحاث ومؤسسات تنمية الفكر في الشرق تتهم الغرب على أنه يمارس بخلاف ما يدعيه في شعاراته الجميلة البراقة، تلك هي شعارات يخفي خلفها سموما

قاتلة ودائما الأحداث عندما تعصف بطرف فأنها تضعه في الخانة التي يكون فيها حقيقة، فالحرب بين روسيا وأوكرانيا أفرزت للجميع، ولبلدان الشرق على وجه التحديد، كيف يفكر الغرب بانحيازية وسوداوية فكر ظلامي إزاءهم، ومثال ذلك ما قاله الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي مخاطبا الروس «لا تتعاملوا معنا كدولة من دول العالم الثالث» وهو بالطبع يقصد ضحايا الغرب في بلدان الشرق وشمال افريقيا، التي افتنوها بحروب مدمرة عبر عقود من الزمن، ومثل هذا التصريح الذي يندرج ضمن ما نسميه بزلات اللسان.

انما جاء نتيجة لحدث عنيف اظهر الحقيقة على السطح، وبالعادة الفعل العنيف يخلق عصفا ذهنيا يفرز حقيقة اتجاه بوصلة تفكير من يتحدث حيال الآخر، ومن ذلك أيضا ما تحدث به أيضا مراسل لشبكة سي بي اس الأميركية، وهو من أصحاب البشرة الشقراء والعين الزرقاء عندما كان يغطي أحداث تلك الحرب الواقعة في شرق أوروبا «أن أوكرانيا متحضرة نسبيا وأوروبية نسبيا، مقارنة بدول مثل العراق وأفغانستان»، وقد أثارت تصريحاته سخطاً واستياء لدى جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما في بلدان الشرق باعتبارها عنصرية ومخزية.

إنَّ حالة التحيز هذه تكررت كثيرا في بداية تلك الحرب التي غابت عن أراضي أوروبا لزمن طويل، بعد أن نجح قادة تلك البلدان، وعلى مدى عقود من الزمن في نقل الحروب الى ساحة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، أو دول الجنوب، إذ ظهرت سلوكيات مخجلة بحق الإنسانية تلك التي رصدتها إذاعة الـ bbc في أحد تقاريرها الشهيرة مع بداية نزوح الشعب الاوكراني من بلاده الى بلدان مجاورة مثل بولندا ورومانيا والمجر، وقد رصدت هذه الإذاعة العريقة مشاهد بلسان مواطنين يتحدثون اللغة العربية، من سوء تعامل الجيش الاوكراني مع أصحاب السحنة السمراء، والحنطية من العرب والشرقيين بعنصرية في عملية الاجلاء بالمطارات، بحيث فضلوا أصحاب البشرة الشقراء والعيون الزرقاء في ركوب القطارات والسيارات او الدخول الى المخيمات المقامة على الطرقات، أساليب مخجلة تكشف زيف شعارات الجهات الغربية المنادية بحقوق الانسان بعيدا عن اللون والعرق والديانة.

بل أظهرت هذه الممارسات عورة النظام الغربي الذي يخفي حقيقته للملأ وينجح في التزويق المزيف للآخرين، ولتعزيز ما نتحدث به، تلك التصريحات التي تحدث بها مسؤولون غربيون مخاطبين الرئيس الروسي بوتن “يجب أن تفهم أنك تحارب أصحاب العيون الزرقاء والبشرة الشقراء” أن الغرب تسكنه الغطرسة والتعالي، ولكننا قد نصادف من يبرر لهم بأن هذه التصريحات تمثل زلات لسان عابرة لشخصيات لا تمثل سياقا عاما للغرب، لكن أن يأتينا تصريح للأمير ويليام وهو ابن عمق الغرب، ومن سلالة أسرة ملكية عريقة تحكم أقدم بلد في الغرب رفع شعار حقوق الانسان وهو يقول “من الطبيعي رؤية الحرب وسفك الدماء في آسيا وافريقيا، لكن ليس في أوروبا”.

فهذا الشاهد الذي لم يبقَ لنا أي مبرر بأن الغرب ليس سوى منظومة لصناعة الكراهية والتعالي وغمط حقوق الانسان. وإذا اتفقنا مع رأي الأمير ويليام، فمن حقنا نطرح عليه إذا كان الآسيويون والأفارقة بما تصف، أليس من الواجب على المتحضرين أن يساعدوا في وأد تلك الحروب؟ وفي إطار لغة ما يتحدث به الغربيون، نخاطبهم هل حرب روسيا وأوكرانيا هي انعكاس لجهل الغرب؟ مشكلة الغرب أنهم يجيدون صناعة الكذب، ويؤمنون بهن ويعتبرونه في وقته منطقا لديمومة الحياة، وهو منهج عمل لهم في السياسة والتعامل، لا سيما مع الشرقيين، لكنهم بعد حين من الوقت يعترفون أنهم اخطئوا، ومثلا رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير يقول في مذكراته “ربما كنت مخطئا بقرار غزو العراق وتدميره عام 2003 واتبعت غريزتي” حقا الغرب مصاب بالعمى، وأرى أن حرب روسيا واكرانيا هي بداية الانهيارات التي ستواجه مؤسساتهم ودولهم، وقد تكون درسا لإفاقتهم من ذلك العمى الإنساني والفوقية، ولكني أتفق معهم بجزئية واحدة أن غالبية القادة الشرقيين مصابون بالغباء، عندما سمحوا بأن يكونوا جنود شطرنج بأيدي الغربيين، وسمحوا باقتتال شعوبهم من أجل كراسيهم غير المستقرة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق