بقلم: ريكاردو هوسمان

كامبريدج- أصبح مفهوم معايير إعداد التقارير البيئية والاجتماعية وتلك المتعلقة بالحوكمة سائدًا. فقد اتخذت شركات (وول ستريت) الكبرى هذه المعايير دليلاً نحو الاستثمار المسؤول، وأجبرت آلاف الشركات التي تستثمر فيها على القيام بذلك أيضًا. ولكن هل تساعد المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية المستثمرين والشركات التي تعمل في الجنوب العالمي على تخصيص رأس المال بقدر أكبر من الفعالية؟ أم أنها مجرد تعبير عن قيم وأولويات ما بعد الحداثة في العالم الغني؟

وتتطلب المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية من الشركات الإبلاغ عن ممارساتها البيئية والمخاطر المناخية المرتبطة بها؛ وعن طبيعة معاملتها للعمال والعملاء والمجتمعات التي تعمل فيها؛ وعن معايير الحوكمة المختلفة مثل تنوع مجلس الإدارة، وانتظام التدقيق الداخلي والخارجي للسلوك السيئ. وتهدف هذه العملية إلى جعل المستثمرين أكثر اطلاعًا على التأثير الإجمالي للشركة على أصحاب المصلحة، وهذا يعني أنه ما لم تكن الشركات على دراية بتأثيرها العام، فقد تتأثر مجددا بالمشاكل التي تم التغاضي عنها أو تلك التي طالها الإهمال.

وهكذا يمزج نهج المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية بين الرأي القائل بأن "ما يتم قياسه يتم إدارته" مع ملاحظة الأستاذ الراحل في جامعة هارفارد، جون روجي، بأن الشركات لديها مصلحة في اعتماد قيم أصحاب المصلحة، مثل حقوق الإنسان. وفي ظاهر الأمر، يبدو هذا وكأنه تحسن مقارنة بالتركيز الضيق على المحصلة النهائية.

ولكن إلى أي مدى تساعد المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية البلدان في الجنوب العالمي على سد الفجوات الهائلة في الدخل والرفاهية التي تفصلها عن الاقتصادات المتقدمة؟ لقد خلُص فحص دقيق أنه لا يوجد شيء في إطار المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية من شأنه أن يفضل بصورة صريحة أنواع الاستثمارات اللازمة لتحقيق هذه الغاية.

إن هناك حاجة ماسة إلى إطار بديل. فالنمو المشترك في معظم البلدان النامية مقيد بعدم القدرة على الحفاظ على نسبة أعلى من الواردات، التي تُعد ضرورية لإنتاج أي سلعة أو خدمة حديثة تقريبا. فقلة النقد الأجنبي يقلل من توافر المدخلات اللازمة.

وحتى تستورد دولة ما المزيد، يجب أن تكون قادرة على تصدير المزيد. إذ يُترجم ضعف القدرة التصديرية إلى نسبة استيراد منخفضة ومعدل نمو شديد الحساسية للزيادات الخارجية في القدرة على الاستيراد، والتي يمكن أن تنجم عن التحسينات في شروط التبادل التجاري، أو زيادة المساعدة، أو سهولة الوصول إلى التمويل، كما حدث أثناء الدورة الفائقة للسلع في الفترة 2004-2014.

لنقارن مثلا بين اليابان وبنغلاديش، وإثيوبيا، ونيجيريا، وباكستان-جميع البلدان التي يتراوح عدد سكانها بين 100 مليون و200 مليون نسمة. قبل جائحة كوفيد-19، كانت اليابان أغنى 19 مرة من إثيوبيا و8-9 مرات من البلدان الأخرى. وكانت نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي 2-3 مرات أعلى مقارنة مع الدول الأخرى. وبلغ سعر الدولار بوحدات الإنتاج المحلي المماثل في اليابان حوالي ثلث مثيله في البلدان الأخرى.

ويعتبر السعر المرتفع المقترن بكمية منخفضة علامة على وجود قيد ما على الصرف الأجنبي. وفضلا عن ذلك، تدفع الصادرات في إثيوبيا وباكستان ومعظم البلدان الأخرى منخفضة الدخل، أقل من نصف فاتورة الواردات. ويأتي الباقي من المساعدات الخارجية أو الاقتراض غير المستدام.

وفي الاقتصاد المتنامي، من المهم أن تكمل الصادرات عملية النمو بموازاة مع ارتفاع الأجور. وإذا كانت استدامة الصادرات تعتمد على إبقاء الأجور منخفضة، فإن ارتفاع الدخل سيقلل من القدرة على التصدير، ومن ثم سيلحق ضررا بعملية النمو. ويمكن للبلدان سريعة النمو في شرق آسيا وأوروبا الشرقية أن تحافظ على ارتفاع الدخل، لأنها حولت سلة صادراتها نحو منتجات أكثر تعقيدًا.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الصناعات التصديرية في سريلانكا، بما في ذلك الشاي، والقرفة، وجوز الهند، وحتى الملابس- تكافح لمواكبة الزيادات في الأجور في بقية الاقتصاد. ومن ثم، عندما يكون اقتصادها في وضع جيد، تتقلص هذه الصناعات، مما يقلل من قدرة البلاد على الاستيراد ويؤدي إلى أزمة في ميزان المدفوعات وتباطؤ في النمو. وشهدت سريلانكا هذا السيناريو مرارًا وتكرارًا، بما في ذلك الآن.

وفضلا عن ذلك، في البلدان متوسطة الدخل، يتميز السوق المحلي عادة بالتكتلات الكبيرة التي احتلت مواقع مهيمنة في الأنشطة غير القابلة للتداول مثل التجزئة، والبنوك، والتأمين، والبناء، والاتصالات، والمشروبات (عادةً البيرة والمشروبات الغازية). وتتمتع هذه القطاعات بقوة احتكارية كافية لتكون كريمة مع قوتها العاملة. ويمكنها أيضًا تصميم منتجات للعملاء المتواجدين في قاعدة الهرم، والتفوق في جميع المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية.

ومع ذلك، تتطلب هذه الصناعات عملات أجنبية لا تساعد هي نفسها في توليدها. لذلك لا يمكنها دفع البلد إلى الأمام إلى ما بعد الإنتاج الذي يمكن دعمه من خلال القدرة التصديرية للآخرين. وفضلا عن ذلك، كما جادلت مؤخرًا، لديها سجلات قاتمة في البحث والتطوير أو مقاييس أخرى للابتكار- على الرغم من أن أيًا من هذا لا يضر بها في إطار المقاييس البيئية والاجتماعية والإدارية الحالية.

ويفسر هذا النوع من هيكل الأعمال إحدى سمات البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل اليوم، والتي كانت ستفاجأ كارل ماركس. فقد توقع هذا الأخير أن الإنتاج الرأسمالي من قبل الشركات التي تمتلك وسائل الإنتاج الخاصة بها، وتوظف العمال مقابل أجر، سيحل محل الإنتاج الحرفي من قبل الحرفيين الذين يمتلكون أدواتهم الخاصة. والأحرى، لا يوظف الإنتاج الرأسمالي سوى نصف القوة العاملة في البلدان ذات الدخل المتوسط وأقل بكثير من تلك الموجودة في البلدان منخفضة الدخل. وتعمل باقي القوى العاملة لحسابها الخاص، أو تعمل في مشاريع صغيرة تشبه تلك الموجودة في زمن ماركس.

ويرتبط هذا الوضع ارتباطًا وثيقًا بنقص في النقد الأجنبي. وببساطة، لا يمكن للأنشطة الحديثة غير القابلة للتداول أن تنمو بما يتجاوز قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية. ولسوء الحظ، فإن الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية غير مرتبطة بالمعايير التي تفضل الاستثمارات الفعالة والتحويلية حقًا في جنوب الكرة الأرضية. والأحرى أنها تفضل عن غير قصد المنتجين الاحتكاريين للسلع غير التجارية الذين يمكنهم تحمل التكاليف المرتفعة للتقارير البيئية والاجتماعية والإدارية، وتلك المتعلقة بالحوكمة.

إن الدافع وراء اعتماد المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية نابع من نوايا جيدة. ولكن العالم يحتاج إلى سجل إنجازات مختلف، سجل يفضل على وجه التحديد تلك الأنشطة التصديرية التي تسمح بقدر أكبر من التعقيد، والابتكار، ومعدلات أعلى للأجور.

* ريكاردو هوسمان، وزير التخطيط السابق لفنزويلا وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، ومدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية هارفارد كينيدي، ومدير مختبر النمو بجامعة هارفارد.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق