إسلاميات - القرآن الكريم

ضوابط تفسير القرآن بالقرآن وحدوده

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ-(4)

كوننا قادرين على تفسير القرآن بالقرآن صحيح في الجملة وليس صحيحاً بالجملة، أي انه صحيح بنحو القضية الجزئية وليس صحيحاً بنحو الإطلاق والعموم والشمول والكلية، أي انه صحيح ممكن وواقع في بعض المبهمات أو المجملات القرآنية وليس فيها بأكملها جميعاً. وإن تفسيرنا للقرآن بالقرآن، حيث...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1) وقال جل اسمه: (وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(2) وقال جل وعلا: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمينُ * عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ)(3).

منهج تفسير القرآن بالقرآن

لقد وقع منهج تفسير القرآن بالقرآن موقع الأخذ والرد والقبول والرفض بين مَن يقول به بقول مطلق، وبين من ينفيه بقول مطلق، وبين من يفصّل.

أولاً: تفسير بعض القرآن ممكن فقط

والتحقيق يقودنا إلى التفصيل على النحو التالي:

فأولاً: ان تفسير القرآن بالقرآن إن أريد به اننا قادرون على تفسير بعض آياته ببعضها الآخر ولسنا قادرين على تفسير كل مبهم أو مجمل أو متشابه(4) في القرآن بآية من آياته الأخرى، فهو صحيح، وإن أريد به ان كل مبهم في القرآن أو مجمل أو متشابه فان بمقدور سائر البشر، إضافة إلى المعصومين الأربعة عشر، كشف إبهامه ورفع إجماله وحل عُقَد متشابهة، بالرجوع إلى القرآن الكريم فقط، من دون حاجة إلى الرجوع إلى الرسول صلى الله عليه واله وسلم وآله عليهم السلام، ولا إلى العرف واللغة، ولا إلى بعض القواعد العقلية ولا إلى بعض الحقائق العلمية ولا إلى بعض الروايات الصحيحة التاريخية، فليس بصحيح.

ثانياً: انه قد يفيد علماً أو ظناً أو احتمالاً أو وهماً

وثانياً: ان تفسير القرآن بالقرآن، إن أريد به الوصول إلى معانيه ومقاصده وغاياته ومبانيه كلها عبر التدبر في الآيات القرآنية وضمّ بعضها إلى بعض، بحيث يورثنا ذلك القطع، إثباتاً، وبحيث يكون ما توصّلنا إليه مصيباً للواقع حتماً، ثبوتاً، ومما لا يتسرب إليه (إلى تفسيرنا وفهمنا) الخطأ والاشتباه أبداً، فليس يصحح.

وبعبارة أخرى نقول:

أ- كوننا قادرين على تفسير القرآن بالقرآن صحيح في الجملة وليس صحيحاً بالجملة، أي انه صحيح بنحو القضية الجزئية وليس صحيحاً بنحو الإطلاق والعموم والشمول والكلية، أي انه صحيح ممكن وواقع في بعض المبهمات أو المجملات القرآنية وليس فيها بأكملها جميعاً.

ب- وإن تفسيرنا للقرآن بالقرآن، حيث انه فهم بشري أو اجتهاد إنساني، فهو قد يكون مصيباً وقد يكون مخطئاً فهذا من جهة، ومن جهة أخرى فانه قد يفيد علماً وقد يفيد ظناً معتبراً وقد لا يفيد إلا ظناً غير معتبر بل قد لا يفيد إلا احتمالاً أو وهماً(5)، ولأن فهمنا وتفسيرنا للقرآن بالقرآن، هو كذلك، أي منقسم إلى الأقسام الأربعة، لذلك كان لا بد لنا من مرشد وهادٍ ودليل ولذلك قال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وقال: (وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) وقال: (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)(6) وقال: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ)(7) و(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)(8) وسيأتي الكلام حول هذه الآيات وغيرها بتفصيل أكثر بإذن الله تعالى، كما مضت بعض الروايات الموضحة للمقصود من بعض تلك الآيات الكريمة.

والحاصل: اننا نحن البشر والمفسرون والأصوليون والفقهاء ننال بعض القرآن الكريم عبر استنطاق بعضه الآخر، ولا يمكننا ان ننال كل حقائقه وعلومه ومعارفه وغاياته ومقاصده وشرائعه بدراسته والتدبر فيه فقط، والمقصود بـ(كل حقائقه وعلومه...) هو ما صرح به تعالى بقوله: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ)(9) و(وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) و(الْأَسْماءَ كُلَّها) التي علمها آدم و(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى‏ لِلْمُسْلِمينَ)(10) و(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى‏ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ في‏ إِمامٍ مُبينٍ)(11)، ثم ان نيلنا للبعض الذي نناله بالرجوع إليه قد يكون علماً مطابقاً وقد يكون جهلاً مركباً وقد يكون ظناً وقد يكون شكاً واحتمالاً وقد يكون وهماً.

والسرّ في ذلك كله هو الضَّعف في قابلية القابل وفينا نحن، لا النقص في فاعلية الفاعل والقرآن الكريم نفسه.. وهذه نقطة في غاية الأهمية وقد مضى الكلام عنها بوجه ونضيف ما ينقح البحث أكثر فأكثر، فقد مضى:

(تبيان لكل شيء في مرحلة العِلّة الفاعلية

الوجه الثالث: - وهو وجه حلّي - ان القرآن الكريم لا شك في كونه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) لكنّ هذا في مرحلة الفاعل دون مرحلة القابل فان كون النور نوراً والقرآن نوراً وتبياناً تام صحيح، ولكن لا يستلزم ذلك رؤية الشخص له واستبانته له بأكمله وإحاطته بمضمونه، وذلك لكونه اما أعمى البصر أو أعمى البصيرة أو لضعف في قابليته، فان عدم رؤية الأعمى للنور لا ينفي نورية النور وكونه ظاهراً بنفسه مظهراً لغيره، كما ان عدم رؤية القلب المحجوب أو القابل غير التام القابلية((12)) للآيات القرآنية لا ينفي كونها بياناً وتبياناً، بعبارة أخرى: قد تكون فاعلية الفاعل في حد ذاتها تامة وفي أعلى الدرجات، ولكن قابلية القابل تكون ناقصة، والنقص له درجات، والمعلول يتبع في تحققه تحقق مجموع العلل الأربع: الفاعلية، الغائية، المادية والصورية)(13).

الفرق بين (المبيِّن) و(المتبيِّن)

وبعبارة أخرى: الفرق كبير بين (الـمُبيِّن) وبين (المتبيِّن) وبين (الـمُبين) وبين (المستبين) كما ان هناك فرق بين (المعلِّم) وبين (المتعلّم) وبين (المفسّر) وبين (المستفسر) وتوضيحه: انه قد يكون المعلم في أعلى درجات العلم وفي أسمى مراتب الإحاطة، ولكن المتعلم لا يستطيع ان يتعلم منه إلا بعض علومه لضعف في قابليته، كما لو كان المعلم أستاذاً جامعياً لامعاً ولكن كان المتعلم تلميذاً في المتوسطة أو الثانوية أو أولى مراحل الجامعة فان المعلم لا يستطيع ان يفهمه الآن كل المعادلات الفيزياوية أو الكيماوية الصعبة أو الرياضية أو الفلكية والهندسية أو الفلسفية المعقدة التي يعرفها، إلا بتدريج وفي غضون سنين طوال شرط أن يكون التلميذ ذكياً مجداً مثابراً ليترقى في العلم درجةً بعد درجة حتى يصل إلى مستوى الأستاذ نفسه فحينئذٍ يمكن ان يتعلم منه كل شيء.

إذا كان المتبيِّن بمستوى القرآن، استبان منه كل شيء

ولكن القرآن الكريم أعظم من كل أستاذ ومعلم ولا يمكن لأي بشري، عدا المعصومين عليهم السلام، أن يصل إلى مستواه وإلى الإحاطة بكافة ما فيه مما قال عنه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) و(كل شيء)، وكما سبق، يشمل أعقد وأعمق العلوم في الفلسفة والفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات وغيرها، كما ان (كل شيء) يشمل مختلف مراتب بطون العلم المعمقة والمتشابكة والمتشعبة وغيرها.

والحاصل: ان القرآن الكريم لا شك انه (مبين) و(تبيان) كما ان أستاذ الرياضيات القدير في الجامعات، إذا كان محيطاً بأعقد المعادلات الرياضية وكان بيانه فصيحاً بليغاً رائعاً وتصدى لشرح معادلات الجبر والمقابلة وغيرها ببيان دقيق واضح فانه حينئذٍ (مُبين) و(مبيِّن) دون شك، ولكن ذلك لا يستلزم فهم كل (مستبين) لكلامه بل يشترط في (المتبيّن) و(المستبين) و(المتعلم) مستوى علمي خاص ليتعلم ويفهم كل الذي يقوله ذلك الاستاذ القدير، فكذلك القرآن الكريم فانه (مُبينٍ) ولا شك في كونه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) ولكن ذلك لا يستلزم ان يتبين منه كل أحد كل شيء، وإنما يتبينه من هم في مستوى فهم القرآن الكريم كله، وما هم إلا الراسخون في العلم ولذلك أوكلت مهمة بيان القرآن، مع انه هو بنفسه بيان للناس وتبيان ومبين، إلى الرسول العظيم صلى الله عليه واله وسلم (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وإلى الراسخين في العلم والذين أورثهم الله تعالى الكتاب.

وكذلك المفسر والمستفسر فان المفسر قد يفسر أعقد المسائل العلمية بلسان عربي مبين، ولكنْ ما كل مستفسِر يَفهم أو يتحمّل؛ ألا ترى ان شرح الكفاية حتى إذا كان أفضل شرح وكان مبيناً لمقاصده ومراميه بأفصح عبارة وأوضحها، فانه مع ذلك لا يفهمه إلا الطالب الذي هو في مستوى الكفاية أو المقارب له، اما المزارع والبقال أو حتى التاجر والطبيب أو الطالب الذي بدأ يقرأ للتو (مبادئ أصول الفقه) فانه لا يفهم من شرحه على الاستدلالات والإشكالات المعمقة على بحث (المشتق) أو (المعنى الحرفي) أو (الترتب) من الكفاية مثلاً، شيئاً.

أمثلة وشواهد تطبيقية لمنهج تفسير القرآن بالقرآن

إذا عرفت ذلك فلننطلق إلى بعض الأمثلة والشواهد التطبيقية التي تثبت لنا بجلاء كلتا النقطتين السابقتين: اننا لا نستطيع ان نستكشف من تفسير القرآن بالقرآن، كل حقائقه وعلومه ومعارفه وتشريعاته وأحكامه "وكل شيء" الذي قال فيه تعالى: (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) وإن أمكن ان نستكشف بعضه (الأقل) فقط، أولاً، وثانياً: ان استكشافنا لبعض مبهماته، بتفسيرها ببعض آياته الأخرى قد يكون غلطاً كما قد يكون صواباً كما انه قد يفيد علماً وقد يفيد ظناً وقد لا يفيد إلا إشعاراً واحتمالاً أو هماً.

الشاهد الأول: ورد في كتاب (التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب) (1- تفسير القرآن بالقرآن: لا شك أنّ أتقن مصدر لتبيين القرآن هو القرآن نفسه؛ لأنه ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض – كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - حيث ما جاء منه مبهماً في موضع منه، قد جاء مفصّلاً ومبيّناً في موضع آخر، بل وفي القرآن تبيان لكل شيء جاء مبهماً في الشريعة، فلأن يكون تبياناً لنفسه أولى. ومن ذلك جاء قولهم: "القرآن يفسّر بعضه بعضاً" كلام معروف)(14).

ونقول: لا شك في ذلك (انه ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض) وفي انه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) فان ذلك نص من نصوص القرآن الكريم كما انه صريح الروايات المعتبرة، إنما الكلام وكما سبق: انه مع ان (القرآن الكريم) ينطق بعضه ببعض، إلا انه ليس كل أحد بمستوى القرآن الكريم نفسه ليفهم منه كل شيء وليعرف كيفية شهادة ابعاضه على كل ابعاضه الأخرى في كل شيء. كما انه كثيراً ما يخطئ الذي يفسر القرآن بالقرآن، فلا يصح لأحد ان يدّعي انه حتماً يمكنه استكشاف مراداته الحقيقية، بعلمٍ مطابق للواقع، بمجرد التدبر في آياته وتفسير بعضه ببعض.

تفسير معنى (الْأَرْضَ) في آية بـ(الْأَرْضِ) في آية أخرى

ولنستشهد باجتهاده هو في تفسير القرآن بالقرآن، فمع انه (أي المؤلف) متخصص في التفسير بل وكان أستاذاً مرموقاً في الحوزة والجامعة لسنوات طويلة(15) ومع ذلك سترى ان تفسيره للقرآن بالقرآن الذي استشهد به في هذا المقام، كان خاطئاً قال رحمه الله: (وهكذا قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَريعُ الْحِسابِ)(16) ما هو المقصود من (الْأَرْضَ) هنا في هذه الآية، وكيف يقع نقصانها؟

أمّا الأرض فالمقصود منها هو العُمران منها، وليس المراد هي الكرة الأرضية. ويشهد لذلك قوله تعالى بشأن المحاربين المفسدين في الأرض: (إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ)(17) فإنّ النفي من الأرض، يراد به الإبعاد عن العُمران ليظلّ حيراناً بين البراري والقفار.

أمّا كيف يقع النقصان؟ فقد فسّره الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام وكذا ولده الإمام جعفر بن محمد الصادق: بفقد العلماء، وأنّ عمارة الأرض سوف تزول وتندثر عند ذهاب علمائها وخيار أهلها، وهكذا ورد تفسير الآية بذلك عن ابن عباس)(18).(19)

المناقشات

أقول: فلاحظ انه فسّر الارض في آية (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ) بالعمران منها فقط، استناداً إلى ان الأرض أريد بها في آية أخرى (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) العامر منها فقط، ولا شك انه كان حسن النية، ولكن ذلك شاهد لنا ان تفسير القرآن بالقرآن وإن كان صحيحاً في حد ذاته لكن الذي يناله بأكمله ودون خطأ هم الراسخون في العلم فقط (وهم المعصومون الأربعة عشر عليهم السلام) اما غيرهم فلا ينال أكثره وما ناله قد يكون مصيباً وقد يكون مخطئاً، وقد أخطأ رحمه الله هنا إذ استشهد بالآية الثانية (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) على تفسير الآية الأولى.

أولاً: هنالك آيات أخرى تفيد تفسيراً آخر للأرض

وذلك أولاً: لأن هناك آيات أخرى وردت فيها مفردة الأرض وأريد منها الأعم من العامر منها والبائر أو الغامر، فكيف فسرها بتلك الآية دون هذه الآيات رغم كثرتها ولِمَ؟

فلاحظ الآيات التالية: قال تعالى: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً)(20) ولا ريب انه لا يراد من الأرض العامر منها بل هو خليفة في عامر الأرض وغامرها وعلى مدنها وصحاريها وجبالها وغاباتها أي الأرض كلها.

وقال تعالى: (وَإِذا قيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ)(21) ولا شك ان المراد ليس خاصاً بالإفساد في عامر الأرض فان المفسد في الصحراء بقتل إنسان مسافر ظلماً(22)، أو بإبادة الحيوانات البرية عدواناً أو بإحراق الغابات والأحراش عبثاً ولعباً، تشمله الآية ولا تختص بمن يفسد في عامر الأرض.

وقال تعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)(23) ولا شك ان المسافر يقصر من صلاته إذا ضرب في الأرض عامرة كانت أم غامرة أم بائرة، بل ان غالب الأسفار لهي في الصحاري والقفار وفي غير العامر من الأرض، بل ان السفر في المدينة الكبيرة ذهب جمع كبير إلى انه لا تشمله الآية مع انه العامر من الأرض.

وقال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى‏ حينٍ)(24) مع انه ليس المقصود العامر من الأرض فقط إذ كلها مستقر شأني أو فعلي لواحد من البشر أو أكثر، وهكذا قوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً)(25) فانه قد تنفجر العيون في العمران وقد تنفجر في الجبال أو الصحارى والوديان وهكذا..

بل ان صدر الآية نفسها التي استشهد بها؛ وردت فيها الأرض بمعنى أعم من العامر منها فلاحظ كامل الآية (إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ).

ثانياً: تفسير الآية بأربع تفسيرات مختلفة

ثانياً: ان الآية الشريفة فسرت بأربعة تفسيرات وقد فسّرها بذلك أعاظم المفسرين وبعضهم ممن عرفته الأمة بكونه مفسراً قديراً كابن عباس ومع ذلك، ورغم معرفته بالقرآن، إلا انه فسرها بنمطين مختلفين أو حتى بثلاثة ألوان، كما فسرها كل منهم برأي، فلاحظ الأقوال الأربعة التي نقلها في تفسير التبيان ومجمع البيان وغيرهما، قال في التبيان: (قال ابن عباس والحسن والضحاك: ما فتح على المسلمين من أرض المشركين.

وقال مجاهد، وقتادة: ننقصها بموت اهلها.

وفي رواية أخرى عن ابن عباس ومجاهد: بموت العلماء.

وفي رواية أخرى عنهما: بخرابها)(26).

وقال في مجمع البيان: (فقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها) أي: نقصدها (مِنْ أَطْرافِها) واختلف في معناه على أقوال:

أحدها: أو لم ير هؤلاء الكفار أنا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها ومجازه ننقص أهلها من أطرافها كقوله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ). أي: أفلا يخافون أن نفعل مثل ذلك بهم، عن ابن عباس، وقتادة، وعكرمة.

وثانيها: ننقصها بذهاب علمائها وفقهائها، وخيار أهلها، عن عطا، ومجاهد، والبلخي، وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعن أبي عبد الله عليه السلام. قال عبد الله بن مسعود: (موت العالم ثلمة في الاسلام لا يسدها شئ ما اختلف الليل والنهار).

وثالثها: إن المراد نقصد الأرض، ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين، معناه: فننقص من أهل الكفر، ونزيد في المسلمين، يعني ما دخل في الاسلام من بلاد الشرك، عن الحسن، والضحاك، ومقاتل. قال الضحاك: أو لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ما حولها من القرى. وقال الزجاج: علم الله تعالى أن بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر أي: أفلا يخافون أن نفتح لمحمد أرضهم، كما فتحنا له غيرها، وقد روي ذلك أيضا عن ابن عباس، قال القاضي: وهذا القول أصح لأنه يتصل بما وعده من إظهار دينه، ونصرته.

ورابعها: إن معناه أو لم يروا ما يحدث في الدنيا من الخراب بعد العمارة، والموت بعد الحياة، والنقصان بعد الزيادة، عن الجبائي)(27) انتهى.

والشاهد انه لا يمكننا بالرجوع فقط إلى سائر الآيات حسم المراد من بين هذه الأربعة، بدليلٍ يفيد العلم المطابق للواقع.

ثالثاً: اضطراره للجوء للروايات لتفسير آية الأرض!

ثالثاً: انه قال في نهاية كلامه (أمّا كيف يقع النقصان؟ فقد فسره الإمام...) وأنت ترى انه لجأ إلى الروايات الشريفة في بيان الكيفية، مع انه في مقام تثبيت منهج الاكتفاء بتفسير القرآن بعضه ببعض وقد قال في صدر كلامه: (1- تفسير القرآن بالقرآن: لا شك أنّ أتقن مصدر لتبيين القرآن هو القرآن نفسه؛ لأنه ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض – كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - حيث ما جاء منه مبهماً في موضع منه، قد جاء مفصّلاً ومبيّناً في موضع آخر، بل وفي القرآن تبيان لكل شيء جاء مبهماً في الشريعة، فلأن يكون تبياناً لنفسه أولى. ومن ذلك جاء قولهم: "القرآن يفسّر بعضه بعضاً" كلام معروف)(28).

والحاصل: انه لا شك ان القرآن ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض، لكن المفسر كثيراً ما يخطئ إذا رجع إليه فقط ولم يرجع إلى الرسول وأهل بيته لفهم مراداته، كما انه اضطر هو إلى الرجوع إليهم في آخر كلامه الآنف.

تفسير (مَطَرُ الْمُنْذَرِين) بـ(حِجارَةً مِنْ سِجِّيل)

الشاهد الثاني: ورد في كتاب (المناهج التفسيرية في علوم القرآن): (٣- تفسير القرآن بالقرآن

إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بأنّه تبيان لكلّ شيء ويقول: (وَنَزّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء) فهل يصحّ أن يكون مبيّناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه إذا كان فيه إجمال؟)(29) ثم انه حفظه الله استشهد فيما استشهد بـ:(يقول سبحانه في وصف تعذيب قوم لوط: (وَأَمْطرنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين)(30) ربما يتصوّر القارئ انّهم عذبوا بالمطر الغزير الذي يستعقب السيل الجارف فغُرِقوا فيه، ولكن في آية أُخرى أتى سبحانه ما يرفع إبهام الآية فقال: (وَأَمطرنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيل)(31) فصرّح بأنّهم أُمطروا مطر الحجارة فهلكوا بها ، كما أهلك أصحاب الفيل بها كما قال سبحانه: (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجِّيل)(32))(33).

المناقشة: ولكن ماذا عن سائر التفاصيل؟

أقول: الظاهر صحة هذا التفسير، لأن الآيات كلها وردت في قوم لوط فقد يستظهر منها ما ذكره، ولكن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، ولا ريب كما سبق في القضية الجزئية واننا أحياناً، وقد يكون ذلك في عشرات أو مئات الموارد، يمكننا ان نفسر بعض القرآن ببعضه، لكن الكلام كل الكلام اننا لا نستطيع ان نفسر كل مبهماته ومجملاته بالرجوع إلى سائر آياته رغم كونه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) بدون شك؛ ألا ترى ان هناك في مثاله نفسه العشرات من المعلومات المجهولة في قضية هذا المطر والتي لا يمكننا ان نستخرجها من سائر آيات القرآن الكريم (وإن كان الراسخون في العلم يستطيعون لاعتقادنا بـ(وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ في‏ كِتابٍ مُبينٍ)(34) و(تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) والذين أُورثوا علم ذلك كله (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)(35)) فلاحظ الأسئلة المجهولة الأجوبة: لقد كان هذا المطر إعجازياً دون ريب ولكن هل خلقه الله دفعةً في السماء؟ أو انه أرسل ريحاً عاتية فحملته من أرض ما؟ وما هي هذه الأرض؟ وكم كانت أحجام تلك الحجارة أو المطر؟، وما وزنها؟، وهل كانت تحمل إشعاعاً نووياً مثلاً؟ وهل أثّرت على الحيوانات أيضاً أو على الطبيعة؟ وإلى أي حدّ؟ وهل كسرت جماجم قوم لوط أو ثقبتها أو أحرقتها؟ وهل ماتوا في نفس الثانية أو بعد عدة ثواني أو بعد فترة عذاب أطول؟ وألف هل وهل؟ وهذه وألوف من المسائل الأخرى يستحيل على أعظم مفسر (غير المعصومين عليهم السلام) أن يستخرجها من القرآن الكريم بتفسير بعضه ببعض، رغم ان القرآن تبيان لكل شيء بلا شك..

نماذج من ألوف المسائل التي لا نعرف وجه تبيان القرآن لها

ثم نقول بشكل عام: ان هناك الألوف من المسائل الأصولية والفقهية والفلسفية التي لا يمكننا (ولم يدّعِ مفسّر أو أصولي أو فيلسوف انه أمكنه أو يمكنه) معرفة الأجوبة الواضحة الشافية عليها كلها من القرآن نفسه بدلالة بيّنة أو حتى ظنية بالظن المعتبر(36)، وكذلك الألوف من المسائل الطبيعية والهندسية والفلكية، وأيضاً الألوف من المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية وغيرها.

في الاقتصاد الإسلامي

وقد ذكرنا نماذج لذلك في كتاب (لماذا لم يصرح باسم الإمام علي في القرآن الكريم؟) وقد جاء فيه:

(النقض بعدم ذكر (الاقتصاد الإسلامي)

والأجوبة النقضية على (الاعتراض(37)) كثيرة وفي مختلف أبعاد الحياة، فإن الله سبحانه وتعالى لم يتحدث عن (الاقتصاد الإسلامي) بالصراحة في القرآن الكريم، (أي فيما نتبينه نحن، وإن كان الراسخون في العلم يعرفون كل شيء بوضوح تام عبر القرآن الكريم) وأنه هل يوجد (اقتصاد إسلامي) أم لا يوجد؟ رغم أن هذه القضية هامة جداً، كما هي مورد خلاف شديد، ومن البديهي ان الله تعالى كان بمقدوره أن يصرح في القرآن، بعبارة واضحة لنا، بوجود (اقتصاد إسلامي) أو بعدمه، فلماذا لم يصرح بذلك؟ أو بان يقول أنتم بعقولكم البشرية حللوا الأمور الاقتصادية، أليس ذلك مهماً جداً وانه: هل الاقتصاد يجب أن يكون إسلامياً؟ بل هل يوجد (اقتصاد إسلامي)؟ وما هي معالمه؟ وما هي فوارقه عن الاقتصاد الرأسمالي أو الاشتراكي أو التوزيعي؟(38).

وكذلك نشهد عدم التصريح بالكثير من أهم المسائل الاقتصادية في القرآن الكريم (أي، وأكرر، بالصراحة التي نفهمها ونستبينها نحن) وذلك مثل "بيع الكالي بالكالي" والذي يعد من أهم أسباب انهيار الاقتصاد العالمي في السنة الماضية(39)، ومثل (الضرائب) وأنه لا ضريبة على الإرث أو على الأرض أو على تأسيس الشركات والمعامل أو ان عليها ضريبة، على الرأي المعاكس، ومثل (حرية التجارة) و(عولمة الاقتصاد) وتقييد الصادرات والواردات وحدود السماح بالعجز التجاري للدولة، وغير ذلك، مما يؤثر على المجتمع كله، وبأشد الصور سلباً أو إيجاباً)(40)(41) ونضيف مسائل كثيرة: كاقتصاديات جانب العرض، وكالمضاعف الاقتصادي للإنتاج أو عدمه والتصاعد الهندسي أو الأسي في ضخ النقود وغيرها مما فصّلناه في كتاب (الأرض لله لا للحكومات).

وفي القضايا المذهبية والتاريخية وأمهات المصادر

و(ونقول أيضاً نقضاً(42): لماذا لم يذكر الله تعالى وهو العالم بالغيب والمستقبل، في القرآن الكريم (بصريح العبارة أو بظاهرها الذي يفهمه الناس "مع انه تبيان لكل شيء" وهذا بيان للناس و...) بأن كتاب "البخاري" -مثلاً- الذي سيؤلفه فلان، صحيح كله (أو باطل كله، أو بعضه صحيح وبعضه باطل)، ليرتفع الخلاف من الأمة؛ إذ ألم ينبأ الله تعالى بالغيب في كثير من الآيات القرآنية، كقوله تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * في‏ أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * في‏ بِضْعِ سِنينَ)(43)؟

وأليست قضية صحة "البخاري" وهو اسم أهم كتاب عندهم بعد القرآن الكريم، ويشتمل على الألوف من مسائل الأصول والفروع، أهم من قضية: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * في‏ أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * في‏ بِضْعِ سِنينَ)؟!!

وفي المسائل الأصولية

كما ننقض بعدم التصريح، فيما يستبين لنا، بالكثير من المسائل الأصولية، في القرآن الكريم، نظير:

مبحث حجية الإجماع المنقول وعدمها(44).

وكمسألة حجية الشهرة وعدمها.

وكبحث حجية أحد الخبرين لدى التعارض.

وكبحث (الظن الانسدادي) على (الكشف) أو على (الحكومة).

وكقضية حجية (القياس) و(الاستحسان) وعدمها، ولو كان القرآن -مثلاً- قد صرح بحجية القياس والاستحسان أو عدمها، لارتفع الخلاف كما تقولون(45) بين عامة أتباع أهل البيت عليهم السلام وعامة أهل الخلاف، والذي لا يزال مستمراً منذ 1431 سنة!

وكالعديد من (مباحث الألفاظ) التي توقف عليها الاستدلال بكل القرآن الكريم، كمسألة (هل الأمر ظاهر في الوجوب مادةً وصيغةً وضعاً أو بمقدمات الحكمة؟ أو غير ذلك؟ وماذا عن (النهي)؟

وهل الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر في الإباحة أم لا، كقوله تعالى: (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)؟(46)

وهل العام المخصص بالمنفصل، ظاهر في تمام الباقي أم لا؟

وهل الأصل في أوامر القرآن ونواهيه، أنها إرشادية أو مولوية؟

وهل المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ، أو حتى فيمن انقضى عنه المبدأ مطلقاً أو بلحاظ حال التلبس؟

وكذلك علائم الحقيقة والمجاز؟(47))(48)

و(و(أصالة التخيير)، أو (التساقط) لدى تعارض الدليلين.

وماذا عن موارد (التزاحم)، ودوران الأمر بين المحذورين في (التوصليات) و(التعبديات)؟

و(الاستصحاب) سواء لدى الشك في (المقتضي) أم (الرافع)، وسواء أكان الشك في (وجود الرافع) أم في (رافعية الموجود)، وسواء أكان في الشبهة الحكمية أم الموضوعية... وهكذا؟

نعم، قد يقال: إن (البراءة) في الشك في التكليف هو الأصل الوحيد الذي دلّ عليه القرآن الكريم بالصراحة؛ إذ يقول تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) و(لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها) وفيه ما لا يخفى.

وكـ(مباحث الحجج العقلية) ومنها مباحث الاستلزامات، وذلك مثل: هل الأمر بالشيء يستلزم الأمر بالمقدمة، وهل يترشح الوجوب منه إليها، في المقدمة الموصلة وغيرها؟

وهل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام؟ أو ضده الخاص؟)(49)

وفي الاختراعات والاكتشافات العلمية

و(النقض بعدم التصريح بالإكتشافات أو الاختراعات العلمية الكبرى التي ستحدث طوال القرون القادمة، ليقطع القرآن عذر المعتذرين والمشككين فيه. وأيضاً لأنه صرّح بكونه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) و(وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ في‏ كِتابٍ مُبينٍ) فلماذا لم يكن، فيما نفهم، تبياناً لنا؟

وذلك بأن يذكر مثلاً بالصراحة: (الليزر) و(الأشعة الكهرومغناطيسية) وأنَّ بُعد (بلوتون) عن الأرض كذا؟ و(طبقة الأوزون والغلاف الجوي) و(النظرية النسبية) و(الخارطة الجينية الوراثية) و(الكمبيوتر) و(الانترنت) وأجهزة (النقال) و(التلفاز) وتركب (الذرة) من الكترون وبروتون وغيرهما، وكذلك علاج (السرطان) و(مرض نقص المناعة المكتسبة) و(كورونا) وغيرها.

فلماذا لم يصرح القرآن الكريم بذلك ونظائره، واكتفى بإشارات وكنايات وتلميحات تحتاج لإجتهاد وجهد لمعرفتها والاستدلال بها، ثم قد لا يقتنع الخصم بها، عكس ما لو صرح؟! بل الكثير منها لا نعرفه من القرآن حتى عبر تلميحاته وكناياته عنه.

إن أي جواب تجيبونه على هذا التساؤل، يعد بدوره إجابة على السؤال: لماذا لم يصرّح الله تعالى بأسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام في القرآن الكريم؟.

وصحيح أنه مما لا ريب فيه، أن القرآن الكريم تضمن كنايات وإشارات يمكن بالتدبر والتأمل فيها اكتشاف إعجازه في إخباره ببعض أعظم الدقائق العلمية التي توصل أو التي لم يتوصل إليها البشر أو حتى التي لا يمكن ان يتوصل إلى الكثير منها في المستقبل أيضاً، إلا أن الكلام في (التصريح) بذلك؛ وبوصولنا إليه في كل شيء وحَدَث ومعلومة وحقيقة لا في بعضها؟)(50)

وفي القضايا السياسية

و(النقض بـ(القضايا السياسية) وبعدم التبيان والتطرق الصريح (فيما نفهمه نحن، وإن كان تبياناً للراسخين في العلم عليهم السلام) لمجموعة من أهم القضايا السياسية التي تمس حياة المجتمع الإسلامي بل المجتمع البشري بأكمله، سلباً أو إيجاباً. وذلك مثل:

- (فصل السلطات).

- (تعدد الأحزاب).

- (السلطة الرابعة) حرية الصحافة وحدودها.

- (السلطة الخامسة) ومؤسسات المجتمع المدني.

- (ولاية الحاكم الجائر) كما يقول به كثير من أهل الخلاف أو عدمها.

- (ولاية الفقيه) أو (شورى الفقهاء) أو (ولاية عدول المؤمنين) أو لا هذا ولا ذاك؟ أو بالتفصيل؟

- (حرية المعارضة) وبأية درجة؟

- (مواصفات الحاكم) و(شروط عزله)؟...

وهكذا وهلم جراً.)(51)

وفي القواعد الفقهية

كما ان القرآن الكريم الذي هو صريح في انه تبيان لكل شيء، لا نستطيع ان نتبين نحن منه (وإن أمكن للرسول صلى الله عليه واله وسلم والأئمة وفاطمة الزهراء عليهم السلام ذلك إذ هم الراسخون في العلم وهم الذين أورثوا علم الكتاب) بصريح العبارة(52) الكثير من القواعد الفقهية الهامة نظير:

(وقاعدة "الصحة" أو على الأقل بتحديد تفسيرها وانها بمعنى الحمل على المباح دون المحرم، أم بمعنى ترتب الأثر وعدم كون العمل فاسداً، المستفادة من رواية: ((ضع أمر أخيك على أحسنه))(53).

وقاعدة "التسامح في أدلة السنن" نظراً لقوله ((من بلغه ثواب))؟(54) وهل تفيد هذه القاعدة (إسقاط شرائط الحجية) أم (الاستحباب) أم (صِرف الثواب) أم غير ذلك؟

وقاعدة: "اليد" المكنى بها عن الاستيلاء، وان كون الشيء في سلطة شخص وفي حوزته وتحت تصرفه، دليل على ملكيته، وليس على حق اختصاصه به فقط.

وقاعدة: "على اليد".

وقاعدة: "القرعة لكل أمر مشكل" رغم وجود (فَسَاهَمَ) و: (إذ يُلقُونَ أَقلَمهُم) إلا أنها حكاية عن قضية خارجية كما انها ليست صريحة في الكلية.

وقاعدة "التقية بحدودها" فإن أصلها مصرح به في القرآن الكريم (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) لكن حدودها وشروطها وأزمنتها واستثناءاتها وحكمها الوضعي، بحاجة لـ(استنباط) ولم يصرّح بها في القرآن.

وقاعدة "الميسور لا يسقط بالمعسور" لقوله صلى الله عليه واله وسلم: ((لا يترك الميسور بالمعسور))(55) أو: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)).

وقاعدة: "الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم وحقوقهم" والمصطيدة من آية: (النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) و: (فَإِنْ طِبْنَ) و: (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) ومن الأولوية وتنقيح المناط والروايات.

وقاعدة: "من حاز ملك" لصحيحة الباقرين (عليهما السلام) عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((من أحيى أرضاً مواتاً فهي له))(56) وغيرها)(57).

(وقاعدة: "الإمضاء" المستفادة من قول الإمام الرضا عليه السلام: ((من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم)) أو: ((تجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون)).

وقاعدة: "الجب" لقوله صلى الله عليه واله وسلم: ((الإسلام يجبّ ما قبله)) و ((التوبة تجب ما قبلها))، وإن استدل لها بـ(قُلْ لِلَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ)(58) - فتأمل، وعلى أي فانه ليس بتبيان صريح لذا وقع موقع الأخذ والرد.

وقاعدة: "الغرور".

وقاعدة: "ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده" وبالعكس.

وقاعدتي: "الإقرار" وهما: ((إقرار العقلاء على أنفسهم جائز))، و ((من ملك شيئاً ملك الإقرار به)) وإن استدل لأولاهما بقوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ)(59).

وقاعدة: «تبعية العقود للقصود».

وقاعدة: "الطهارة" خاصة في الشبهات الحكمية.

وقاعدة: "المسلمون عند شروطهم" لقوله عليه السلام: ((والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله)))(60).

كما قلنا في ذلك الكتاب: (معنى: أن القرآن تبيان لكل شيء، وقد ظهر لنا بذلك، أن القضية ليست قضية واحدة أو قضيتين أو ثلاثة.

وفي مسألة خلافة الإمام علي عليه السلام دون فصل

ثم ان اعتراضكم هو: إن القرآن الكريم جاء (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) فلماذا لم يذكر اسم علي بن أبي طالب عليه السلام صراحة، لنقرأه جهاراً نهاراً.. وحيث لم يذكره تعالى صراحة، فهو إذن ليس أول خليفة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم؟!

ونجيب: لا شك في كون القرآن الكريم (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) ولا ريب في ذلك، ولكنه (تبيان لكل شيء) تارة بصريح العبارة، وتارة بظاهرها، وتارة برموزها التي لم يُؤتَ علمَها إلا الراسخون في العلم (وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) و(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(61).

بعبارة أخرى انه قال تعالى: (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) ولم يقل (تبياناً لكل شيء، لكل شخص) إنه تبيان لكل شيء، للذين نزل القرآن في بيوتهم (صلوات الله عليهم) ولذا احتجنا إلى بيانهم عليهم السلام لنا (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) و(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ).

ولا تتوهمنَّ بأن ظاهر القرآن تبيان لكل شيء حسبما تفهمه أنت من ظاهر كلمة تبيان، ولكل أحد؛ إذ أولاً: ننقض عليك بكل تلك النقوض السابقة وغيرها..

وثانياً: نقول: إن القرآن الكريم إذا كان بظاهره وصريح عباراته تبياناً لكل شيء، فيجب أن يكون مثلاً عشرين مليون مجلداً، بل يجب أن يبلغ مليارات المجلدات؛ إذ (كل شيء) لا يُحصى، وهذه الكلمات لا نهاية لها، بل إذا كان الله يريد أن يجعل القرآن تبياناً صريحاً لنا وبالأدلة المطابقية لكل شيء، فاللازم أن يجعله تريليونات المجلدات، ولا ينتهي أيضاً، كما قال تعالى: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي)(62).

ومن ذلك نفهم ان القرآن الكريم (تبيان لكل شيء) أي بظاهره، وبباطنه، وبرموزه وإشاراته وبمفسريه، وهم الذين نزل القرآن في بيوتهم.

وهو: (تبيان لكل شيء) لكن تارة بالدلالة المطابقية، وأخرى بالتضمنية، وثالثة بالدلالة الإلتزامية التي يخفى أكثرها على عامة الناس.

وهو (تبيان)، لكن أحياناً بدلالة (الاقتضاء) وأخرى بدلالة (الإيماء) وأخرى بدلالة (الإشارة).

وهو: (تبيان)، لكن تارة بالصراحة وأخرى بالكناية.

وهو: (تبيان) لكن أحياناً باستخدام الألفاظ الحقيقية، وأخرى باستخدام الألفاظ المجازية مع قرائن لا يحيط بها إلا الراسخون في العلم.. وهكذا.

فهذه أربعة عشر جواباً نقضياً، ويمكن ذكر أجوبة نقضية أخرى كثيرة، لكن فيما ذكر الكفاية بإذن الله تعالى. ولننطلق الآن للأجوبة الحلية)(63) وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

....................................
(1) سورة النحل: آية 44.
(2) سورة آل عمران: آية 7.
(3) سورة الشعراء: آية 193-195.
(4) ويمكن ان نعدّ المتشابه أعم من المجمل والمبهم.
(5) ذكرنا تفصيل الفرق بين الاحتمال والوهم في كتاب (الحجة معانيها ومقاصدها)
(6) سورة الحاقة: آية 12.
(7) سورة القيامة: آية 16-19.
(8) سورة فاطر: آية 32.
(9) سورة الأنعام: آية 38.
(10) سورة النحل: آية 89.
(11) سورة يس: آية 12.
(12) والتام القابلية هم الرسول صلى الله عليه واله وسلم وآله عليهم السلام، حصراً.
(13) الدرس (323) بتصرف.
(14) الشيخ محمد هادي معرفة، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية ـ مشهد: ج2 ص539-540.
(15) ربما عشرين عاماً أو أكثر.
(16) سورة الرعد: آية 41.
(17) سورة المائدة: آية 33.
(18) راجع: البرهان في تفسير القرآن للبحراني: ج2 ص301-302.
(19) الشيخ محمد هادي معرفة، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية ـ مشهد: ج2 ص540-541.
(20) سورة البقرة: آية 30.
(21) سورة البقرة: آية 11.
(22) أو بإضلاله.
(23) سورة النساء: آية 101.
(24) سورة البقرة: آية 36، وسورة الأعراف: آية 24.
(25) سورة القمر: آية 12.
(26) الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، الناشر: إحياء التراث العربي ـ بيروت: ج6 ص265.
(27) الشيخ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن - ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت: ج6 ص52-53.
(28) الشيخ محمد هادي معرفة، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية ـ مشهد: ج2 ص539-540.
(29) الشيخ جعفر السبحاني، المناهج التفسيريّة في علوم القرآن، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام: ص28.
(30) سورة الشعراء: آية 173.
(31) سورة الحجر: آية 74.
(32) سورة الفيل: آية 4.
(33) الشيخ جعفر السبحاني، المناهج التفسيريّة في علوم القرآن، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام: ص28-29.
(34) سورة الأنعام: آية 59.
(35) سورة فاطر: آية 32.
(36) بل حتى الوهمية!
(37) بعدم التصريح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن، قالوا: إذاً ليس هو بالخليفة بلا فصل بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم!
(38) راجع موسوعة الفقه / الاقتصاد: ج107و108 لمعرفة الفوارق بين هذه الأنواع الأربعة من الاقتصاد.
(39) أي في عام (1430 ه - 2009 م) وقد أوضحنا ذلك في بعض بحوثنا التفسيرية عند الحديث عن الآية الكريمة: (إِنْ أُريدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) سورة هود: آية 88، وراجع بحثنا الآخر عن (المضاربة) بالمعنى العصري، لا المضاربة الفقهية.
(40) لمعرفة الإجابة بل للاطلاع على عدد من الأجوبة التي توضح السبب في عدم الحديث الصريح عن (الاقتصاد الإسلامي) في القرآن الكريم شأنه في ذلك شأن السبب في عدم التصريح باسم الأئمة الأطهار عليهم السلام راجع الأجوبة: 18 - 19 - 22- 24 - 25 - 26 - 29 و 30 في هذا الكتاب، كما سنذكر مجموعة أجوبة أخرى في المجلد الثالث، بإذن الله تعالى.
(41) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟ مؤسسة التقى الثقافية دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ص42-43 – بتصرف.
(42) على الاعتراض بـ(لماذا لم يذكر الله تعالى اسم الأئمة الإثني عشر في القرآن الكريم ليرتفع الخلاف من الأمة؟).
(43) سورة الروم: آية 1-4.
(44) استدلوا على حجية الإجماع المحصّل بـ(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلِ الْمُؤْمِنينَ) لكنه مناقش فيه، لكن الكلام الآن عن الإجماع المنقول.
(45) إذ تقولون: لو ذكر الله تعالى اسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم لارتفع الخلاف من الأمة.
(46) سورة المائدة: آية 2.
(47) وغير خفي، أنه تتفرع على هذه المباحث مجموعة من أهم البحوث العقدية وليس الفقهية فقط، فمثلاً: يتفرع على الذهاب إلى القول بأن المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ والمنقضي
عنه المبدأ، الاستدلال بآية: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمينَ) على القول بأنه حقيقة في المتلبس فقط، فإن الاستدلال بالآية يتوقف اما على القول بأن (الظالم) من قبيل (القاتل) مما يكفي فيه جري المبدأ على الذات، ولو آناً ما في (الاتصاف) مطلقاً، واما على ضم المقدمة العقلية وهي: أن طلب (إبراهيم عليه السلام) لا يعقل أن يكون: جعل النبوة أو الإمامة في ذريته حال ظلمهم، بل إنه طلب جعل النبوة لهم وإن ظلموا لحظة فصاعداً ثم تابوا وأصلحوا فأجاب الله تعالى: (لايَنالُ عَهْدِي الظَّالِمينَ) إذ لو طلب جعل الإمامة خاصة لمن لم يظلم مطلقاً ولو ثانية، لما تطابق جواب الله تعالى معه، وتفصيل ذلك يطلب من علم الكلام، وعلى ما ببالي فإن العلامة المجلسي H في كتابه العظيم "بحار الأنوار" قد تطرق إلى ذلك.
(48) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟ مؤسسة التقى الثقافية دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ص50-51 - بتصرف.
(49) المصدر: ص52-53.
(50) المصدر نفسه: ص54-55 - بتصرف.
(51) المصدر نفسه: ص56-57 - بتصرف.
(52) نكرر: ان تأكيدنا على (بصريح العبارة) لأن القرآن صرّح بكونه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) و(بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ) والتبيان والمبين هما أعلى درجات صريح العبارة أو مجازها (وشبهه) الذي عليه قرينة صريحة.
(53) وسائل الشيعة: ج12، ص302، ب161 تحريم تهمة المؤمن وسوء الظن به، ح(16361)3.
(54) الكافي: ج2 ص87.
(55) عوالي اللآلئ: ج4 ص58.
(56) وسائل الشيعة: ج25، ص411، كتاب إحياء الموات، ب1، ح5 و6.
(57) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟ مؤسسة التقى الثقافية دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ص64-65- بتصرف.
(58) سورة الأنفال: آية 38.
(59) سورة النساء: آية 135.
(60) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟ مؤسسة التقى الثقافية دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ص66-67.
(61) سورة النساء: آية 83.
(62) سورة الكهف: آية 109.
(63) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟ مؤسسة التقى الثقافية دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ص69-70 - بتصرف.

اضف تعليق