١. يعول كثير من المراقبين في العراق على مستقبل العراق ما بعد تحرير نينوى، لكن ما زالت هناك عقبات تعترض طريق المصالحة الوطنية الجادة ذات المعايير الخاصة.

٢. ومن هذه العراقيل دعم قانون العفو الخاص والانهيار الاقتصادي. وإن المصالحة تعتبر حلاّ مثاليا يسير وحده في فلك الأزمات العراقية غير المنتهية.

٣. وأن هناك لوما كبيرا يقع على المجتمع الذي لا يبدي الاهتمام المطلوب بهذا النوع من الحلول.

٤. وأن لجنة تنفيذ ومتابعة المصالحة الوطنية التابعة لمكتب رئيس الوزراء تعاني من الاضطهاد حيث لم يخصص لها موازنة مالية في البرلمان، لكي تستطيع تجاوز بعض التعثرات.

٥. وأن أزمة المصالحة الوطنية تتمثل في نقطتين: الأولى تتعلق بالدعم القضائي، والثانية حيث إنها لا تحظى باهتمام النخبة السياسية العراقية التي لا تسلط الضوء على مشروع المصالحة الوطنية، رغم وجود كثير من الطاقات المبشرة بها.

٦. وبمتابعة برامج السفارات الداعمة للعراق في حربه على داعش سواء السفارات الأجنبية أو الإقليمية نجد أن المصالحة الوطنية تلقى حضورا كبيرا واهتماما بالغا، لا سيما من امريكا وحلفائها، خصوصا مع ابتكارهم برامج متطورة لصناعة التعايش والسلم المجتمعي.

٧. تجدر الإشارة إلى أن هناك أسماء كبيرة كرست حياتها لخدمة المصالحة الوطنية، أمثال المرجع السيستاني والشيخ الهميم والسيد عمار الحكيم والدكتور اياد علاوي، كما أن هناك حضورا كبيرا للسيد مقتدى الصدر في دعم هذا النوع من المصالحة الوطنية.

٨. إن احتمالية أن يعلن بعض القوى الكوردية انفصالا رسميا عن العراق سوف تمثل تغيرا هائلا بالنسبة لتاريخهم وخطابهم. وإن الانفصال الرسمي يمكن أن يساعدهم على التخلص من المشاكلِ الاقتصادية الحالية والمستقبلية ويعزز مكانة الكورد وشرعيتها في الساحة الدولية. ولكن كيف سيتعامل المجتمع الدولي خاصة ايران وتركيا والولايات المتحدة مع مثل هذه الخطوة؟

٩. القانون الذي يسند ورقة التسوية الوطنية او اسراتيجية المصالحة الوطنية لم يتم تشريعه من قبل البرلمان، هل هذا يعني أننا ندور في حلقة مفرغة عند حديثنا عن كيفية تنفيذ المصالحة الوطنية الجادة؟ هذا التساؤل يبدو واقعيًّا لفهم الأسباب، لكنه في الحقيقة يتجاهل الواقع وينحاز للخيال والتنظير عند الرغبة في العمل وبذل الجهود؛ ذلك لأن مواجهة موضوع العفو عن الجماعات الإرهابية وعناصرها، سوف يتم تعطيل تنفذه تحت الخطة المرسومة مسبقًا.

١٠. البنية التحتية للمصالحة الوطنية تختلف حسب الزمان والمكان، فوضع السجناء كان ولم يزل يخضع بشكل كامل لثقافة المجتمع العشائرية الذي نعيش فيه، كما أن الحكومة تتولى ترسيخ هذه الثقافة وتطبيق مفاهيمها المختلفة.

١١. الجهود التي تبذل واقعيًّا من قبل فريق مستشارين رئيس الوزراء لشؤون المصالحة الوطنية، تتفاوت في درجة وعيها وقوة تأثيرها، لكنها تتراكم في مسار واحد، والاختلاف في تحليل السبب وراء رفض المصالحة المطلقة يجب أن لا ينعكس على الجهود العملية في هذا الاتجاه، ولهذا يجب العمل على تشريع قانون للمصالحة الوطنية الجادة من خلال التشاور المباشر للحكومة مع النُخب السياسية ثم عرض النتائج الى استفتاء شعبي عام.

١٢. أن تغيير القوانين لا يكفل تحسن وضع العراق أمنيا طالما ظل البلد يعيش في ثقافة الانقسام الطائفيّة والقومية، إذن لا يجب التوقف عند التساؤل حول من هو صاحب المسؤولية في تردي أوضاع المصالحة المجتمعية؛ لأن الإجابة لا تنحصر في الدولة أو المجتمع، بل تتسع للاثنين، وتفتح الأفق للجهود على كل المستويات بذات الدرجة من الإيمان والحماسة، أما الاصطفاف مع وجهة نظر ضد أخرى فهو فعل مشين للمتطفلين على التعايش والتسامح، فالاصطفاف ضد أي جهد للتعايش هو ملامح للعجز من قضية المصالحة الوطنية؛ عجزًا وطنيّا وثقافيًّا على السواء.

١٣. ومن خلال مختلف التعريفات التي قدمت المصالحة والتسوية من قبل السّياسيين العلمانيين والدينين، يتضح أن الهاجس كان التوفيق بين المصالحة الوطنية والعفو العام كاستثناء قانوني ودستوري، وهذا التوفيق بين التحالف الوطني الشيعي المسيطر على الحكم والإدارة في العراق وتحالف القوى السنيّة المشترك في الحكم والإدارة، الذين أكدوا على أن التقدم يبدأ ببناء دولة ديمقراطية لديها مؤسسات حكومية حديثة على غرار تلك التي برزت في الامارات العربية المتحدة بعد حكم الشيخ زايد.

١٤. ‏السياسة الدولية الخارجية الحالية للولايات المتحدة لن تتغير كثيرا بقدوم ترامب‬ ماعدا الملف السوري، وبالتالي فأن ملف المصالحة الوطنية سيبق أولوية بالنسبة له.

١٥. المفروض من الحكومة العراقية أن تبذل كل الجهود الممكنة من أجل اشراك المكونات في الحرب على الإرهاب والتطرّف وتحفيزهم، وتمكين الأقليات الاجتماعية الأكثر تعرضا للإرهاب في المساعدة بحل أزماتها أمنيا وعسكريا وإداريا.

١٦. النهج الذي ينبغي أن تعتمده الحكومة لمكافحة الارهاب يحرص دائما على الاستثمار في المواطن، وهذا ما يعزز المصالحة الوطنية. وهذا ما يحاول العراق جاهدا أن يستمر في فعله، للبناء على المؤشرات الإيجابية التي تميز القوى المقاومة للإرهاب.

١٧. ظهور داعش أدّى إلى انقسام العشيرة السنية الواحدة إلى مجموعتين متنافستين إحداهما موالية للحكومة والأخرى معارضة، وأدت الحرب بين المجموعتين إلى إشاعة الخراب والدمار وإثارة الرعب بين العشيرة الواحدة والعشائر الأخرى، وكان الأولى بالحكومة صناعة أكثرية من ابناء العشائر الموالية لها للعودة الى مشروع الصحوات الذي نجح عام ٢٠٠٦-٢٠٠٨.

١٨. تاريخياً المقاومة المحلية أكثر فتكاً من القوة الوطنية الأخرى، كانوا قبل سنوات رجال صحوات العشائر والفصائل. ولا أحد يستطيع أن يجزم بالنتيجة النهائية للقضاء على داعش بشكل جذري، فالخيارات مفتوحة، ولكنّ الواضح أنّ المعركة ستنتهي بنهاية كلٍّ من يوالي داعش من ابناء العشائر السنية، فالرد العشائري السني العنيف في صلاح الدين والرمادي وحديثة والكرمة وعامرية الفلوجة والشرقاط والقيارة، والدعوات السياسية يتصدرها مطلب واحد “القضاء على داعش في مدن العرب السنة” ومن ثمّ الحديث عن مطالب مكوّن، وهذه المرّة لن تقع العشيرة السنية في الفخ الطائفي كما حدث في عام ٢٠١٣، وهنا باب مفتوح لعراق ما بعد داعش، عراق الحشد العراقي (الشيعي والسني وباقي المكونات) الذي بدأ يحقق الانتصارات المتوالية على الإرهاب.

١٩. خيار التقسيم الذي يُسيل له لعاب بعض القيادات السنيّة، لن يجد دعمًا دوليا أو اقليميا من أحد، حتى جماعة البعث والضاري هم بالضد منه، وذلك لاعتبارات منهجية، فالتقسيم لم يعد حلاً لشيء، وذلك لان العشيرة السنية هي من تقف بالضد منه وهي البنية الأقوى داخل المكون السني.

وأنّ العشيرة السنية أدركت أنها وقود معارك العراق، وأن طموحاتها في الحكم والأمن اصبحت قابلة للمصادرة من قبل الإرهاب الذي لا يهتم كثيرا بالقوميات والطوائف والعشائر، وهو ما يمثل تهديدًا للاستقرار، ولا أحد شريف ووطني مستعد أن يخطو خطوة واحدة أيًا كانت قدسيتها، يمكن أن ترتد على استقرار عشيرته.

داعش موجودة في الفكر الديني لبعض ابناء تلك العشائر، ولكن ليس لها شعبيّة، وهي تخوض حربها لكسر تسلط شيوخ العشائر على ابناء العشيرة وجعل ولائهم لمنهج وعقيدة داعش فقط، والحرب هي لفرض البيعة للبغدادي واعلان الإيمان بخلافته المزعومة.

* هشام الهاشمي، كاتب وباحث مختص بشؤون الجماعات الإسلامية، وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق